روبورتاج: الراقد بين مطرقة المنطق وسندان الخرافة

تنتعش مأثورات الثقافة الشعبية بين الفينة والأخرى، وتطفو على واجهة المشهد الاجتماعي المغربي، وتجر معها رواسب السنوات، وتصبغها بواقع حال متجدد، رافض بالمنطق ومستسلم للعرف، ومستشهد بالخرافة، ومحتكم لغيبيات وحالات شاذة لتفسير ظواهر أكل عليها الدهر وشرب.

الراقد دهاء نسوة وتحريف لواقع واستبعاد للعار

بالعودة للثقافة الشعبية المغربية نجد الراقد حلا ودهاء نسوة اختلقنه لدرء الفضيحة واستبعاد العار، والتطبيع مع خلل بالستر، فقد كانت تعيش النسوة قديما بعيدا عن الزوج لرحلاته بين المد والجزر التي تطول في الوقت الذي كانت فيه بعض النسوة تقعن في المحظور، وفي خيانة زوجية ينتج عنها في الغالب الحمل وعند عودة الزوج تخبره أن “كان عندها الراقد”.

وفي تصريحها لـ “عبّــر.كوم” كشفت فاطمة الزهراء الشابة العشرينية أن “الراقد ما هو إلا وسيلة للتخلص من العار، بعيدة عما هو عقلي وعلمي، وأنها طريقة باتت متجاوزة استغلها النسوة في زمن مضى، غير أنها اليوم لم تعد تؤتي أكلها”.

ويبقى الراقد في تعريفه الأولي جنينا يستكن ويتوقف عن النمو بفعل تميمة يقوم بها فقيه، إلى حين تيسير الأمور المادية أو توفر ظروف ملائمة ليعود للنمو في أحشاء والدته بشكل طبيعي، وقد يستمر الراقد راقدا في بطن أمه لسنوات، إذ من القصص من توفي زوجها بسنوات وخرج الراقد بعد ذلك في تضارب صارخ مع المنطق والعلم.

الراقد ومقاربة الحمل الكاذب

كشف الأخصائي في طب النساء والتوليد الغالي اللبار في أحد تصريحاته أن هناك اعتقاد بدني أن المرأة حامل، ورغم القيام بالتحاليل المطلوبة وإثباث أنه لا يوجد حمل،  فإن من النساء من يتوهمن أنهن حامل، وهذه الحالة تخص خمسة نساء على 20 ألف امرأة، وذلك لظروف، تحدد أبرزها في الرغبة المفرطة في الحمل أو الخوف من الحمل، وأحيانا هما معا، أو لحالات نسوة أجهضن كثيرا، فيتولد لديهن إحساس المرأة الحامل، وينتج ضغط كثيف يتجه للغذة النخامية وتحدث اضطرابات هرمونية، ليبقى السبب الأول نفسي بسيكولوجي ويؤثر على ما هوعضوي.

وأوضح اللبار أنه “أبعد من ذلك تحدث لدى النسوة تغيرات نفسية تؤثر على ما هو عضوي إذ تظهر  عليهن أعراض الحمل، وينتفخ بطنهن وتتوقف عنهن العادة الشهرية، إذ يعشن ظروف مماثلة للمرأة الحامل، مؤكدا أن هذه الحالات ليست مرضية وأنها حالة نفسية يتمكن من تجاوزها”.

“كون ما كان الفايق مايكون الراقد”

وفي استفسارنا عما تعرفه عن الراقد، انفجرت سمية السيدة الثلاثينية والأم لطفل ضاحكة وبسخرية قابلتنا برد “كون ما كان الفايق ما يكون الراقد”، في رفض تاما لتبريرات قديمة ولسلوكات منحرفة ولأمور واضحة تفسر بالخرافة، “كثيرا ما سمعنا عن الراقد، وكثيرا ما علمنا أن نسوة حملن في أحشائهن الراقد، لكن لم نرى هذا الراقد مخلوقا يمشي، بقيت تصورات فقط، وعند وقوفنا عند المفهوم نجده غطاء استعملته النسوة قديما للتستر من الفضيحة”.

“لفقيه صاحب دعوتها”

وكشفت إلهام التي تشتغل بقطاع التعليم نقلا عن رواية جدتها أن النساء قديما كن يعتمد على تمائم يعدهن فقيه لتعطيل نمو الجنين في أحشاء والدته، وفي تعليقها عن الأمر تصرح ذات المتحدث لـ”عبّــر.كوم” أن المرأة في الأصل لا تكون حاملا وأن أغلب الحالات التي يلجأن للفقيه لفك التميمة يكون هو “صاحب دعوتها” في إشارة إلى إقامة علاقة جنسية بلفقيه لإبطال مفعول التميمة وبعدها تصبح السيدة حامل، وتنسبه إلى الزوج”.

تكثر التأويلات، وتصطدم الرؤى المؤيدة والمعارضة ويخلق الجدل والتشويش، وتتيه الفكرة وتضبب الصورة بالوقوف عند أناس بوضع اجتماعي يرفعهن عن مقام التعامل مع الراقد بمعاملة المسلمة، فلا العمر ولا المستوى التعليمي ولا البيئة الجغرافية محددات يمكن اعتمادها للتمييز بين أشخاص يؤمنون بالفكرة وآخرون ملحدون، ليستمر المجتمع في احتواء أزماته بطرقه الخاص المنطقية وغير ذلك، وليعلن بين الفينة والأخرى قوة الحس الجماعي والذاكرة المشتركة، وسلطة العرف على القانون، في مقابل التجاهل والتجاوز والمضي نحو الأهم من الرقود والاستيكان.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق