‪ ‪

التشكيل والشعر في لوحات عبد الإله بوعود

التجنيد

ريا العسال ـ عبّــر

 

 

الفن هو تلك المرآة العاكسة التي تبرز مدى تطور حضارة ما، ويصير الفنان بمثابة رسول يحمل رسالة إنسانية عظيمة يُوكل له مهمة ترجمتها إلي للوحة أو قصيدة أو هما معا، بحيث يصبح التشكيل والشعر عالمان ينصهر أحدهما في الأخر، ويصعب الفصل بينهما فاللوحة التشكيلة قصيدة تترجم الكلمات إلي أشكال وألوان جميلة، والقصيدة لوحة متعددة التكوينات والألوان.

 

 

 

 

ومن المعروف أن بعض الشعراء أقدموا على فن الرسم وأقاموا أحياناً معارض خاصة بأعمالهم، كما أن هناك تشكيليين كتبوا الشعر أو اشتغلوا على أعمال شعرية لبعض الشعراء، وأصدروا مجموعاتهم الخاصة، ويعد المرحوم عبد الإله بوعود أحد الفنانين المغاربة المتميزين في فضاء التشكيل، فنان جمع في أعماله الفنية بين ما هو تشكل وما هو شعر.

 

اشتغل المرحوم عبد الإله بوعود بطريقة ذكية على ديوان الشاعر الفلسطيني محمود درويش” أحد عشر كوكب”، حيث جسد في لوحاته تجليات القصيدة بأسلوب فني راق يعبر عن ذوق وإحساس جد عاليين، حيث اختزل الفنان بوعود أحد عشر كوكب في أحد عشر صندوق وأحد عشر لوحة، ليتم من خلال هذا الاختزال ترجمة الأبيات الشعرية إلى شعب الألوان، لتصبح اللوحة قصيدة.

 

خلال هذه التجربة المتميزة ( تجربة الاشتغال على ديوان الشاعر محمود درويش) حاول الفنان بوعود سد الجرح العربي الدفين حيث جسد الوجوه داخل الصناديق، وجوه توحي بالموت والاختناق، والمفاتح الذي يرمز إلي الهزيمة، للجرح الذي ينزف مستعملا في ذلك مواد متنوعة (مفاتيح، خشب،رمل، مرايا ورق، كتيبات صغيرة وأثواب…).

 

 

 

صرح الراحل بوعود بمناسبة التقديم لمعرض الذي أقامه برواق محمد الفاسي بالرباط خلال شهر دجنبر 1996 بأنه: » قدم العمل التشكيلي الذي أنجزه سنة 1993 حول ديوان ” أحد عشر كوكب” للشاعر محمود درويش على المنوال الذي وضعه منذ مدة الشاعر “بودلير” الذي يعرف الفن بكونه يجب أن يتواصل مع الجمال الأبدي من خلال الأشياء التي تخفيها الطبيعة. “بودلير” كان يحلم بالذوبان التام لكل الفنون فيما بينها، والتجربة الفريدة والكاملة التي تهتز على إثرها كل الحواس في آن واحد. كما اعتبر كل عمل فني محرض على عمل آخر سواء لي أو لآخر، لقد أتاح لي درويش إعادة اكتشاف الشاعر” أرثور رامبو” فهناك تشابه كبير فيما بينهما، ربما عنادهما بالذوبان في إبداعهما الذي يجسد مصير الإنسانية ، و بعيدا عن هذا التشابه، وفي علاقة الشعر بالتشكيل يمكن اعتبار عالم الشاعر ارثور رامبو أقرب إلي العالم التصويري، ذلك أن رامبو يذهب إلي أن للكلمات كيمياء خاصة بها، وان الكلمة يمكن أن توحي بالصورة والإيقاع والملمس والطعم واللون والرائحة«.

 

لم تكن تجربة الاشتغال على شعر درويش التجربة الوحيدة فقد اشتغل كذلك الراحل بوعود مع الشاعر المغربي أحمد العمراوي على ديوانه ” ينابيع مائية ” إلا أن هذه التجربة كانت مختلفة عن سابقتها، حيث أنه كان من المقرر أن يتم إنجاز لوحة لكل الديوان، فقد اتفق الشاعر العمرواي والفنان بوعود على إنجاز اللوحة بعد أن يقرأ الديوان كاملا، غير أن لأمر الفريد والجميل كذلك في هذه التجربة أنه عندما أنجز المرحوم بوعود اللوحة والتي هي عبارة عن مائية تخترق كل الديوان وقدمها للشاعر العمراوي ألهمته لكتابة قصيدة جديدة سيقدمها للفنان الذي سينتج لوحة أخرى حولها وهكذا استمرت هذه العملية إلي أن وصل عدد اللوحات 11 لوحة، أطلقا عليها اسم ” الينابيع” وهي عبارة عن لوحات تمت بالطباعة الحريرية بعدد محدود و عرضت في عدة ملتقيات مثل نادي الأسرة، والمقهى الأدبي الحمامة البيضاء بالمحمدية.

 

 

ويَعتبر الشاعر العمراوي هذه التجربة بالفريدة والتي تكاد تكون الأولى من نوعها في المغرب التي تمت المزاوجة فيها بين الشعر والتشكيل من البداية إلي النهاية، حيت تدخل الشاعر في ترتيب الكتابة ونوع الحروف، وتدخل الفنان في تعديل ذلك.

 

 

 

خلال اللقاء حول ” جدل الشعر والتشكل” الذي أقيم في إطار الدورة الثالثة لعيد الكتاب ما بين 20 و27 أبريل 2000 بمدينة تطوان، كان لفنان بوعود للقاء مع الشاعر محمد الميموني أحد رواد القصيدة المغربية المعاصرة، أثناء هذا اللقاء الشعري وفي الوقت الذي كان يلقي الشاعر الميموني قصيدته أبدع الفنان بوعود لوحة مستوحاة من هذا الشعر تُترجم الكلمات الشعرية إلي ألوان وأشكال مما جعل الجمهور يعيش حوارا فنيا رائعا بين نوعين متقاربين متكاملين من الفنون في لحظة إبداعية ولدت على إثرها لوحة تشكيلية نتاح حوار فني شعري تشكيلي. وقد وصف الشاعر محمد الميموني في تصريح له لوكالة المغرب العربي الأنباء، أنه: » لم يكن يتصور فنانا يمتلك هذه المهارة والإحساس ليلتقط باللون والفرشاة ما يحوم في فضاء القصيدة، ووصف اللوحة التي أنجزها الفنان بوعود بالرائعة«.

 

 

اترك هنا تعليقك على الموضوع

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
إغلاق