اخر ظهور

بن داود خديجة
كان ذاك المساء ذات شتاء بارد…شوارع الحي اكتضت بأوراق الأشجار اليابسة،أقف وراء الشباك أتأمل قطة جارتي العجوز تجوب الطرق لتحظى بملجأ يدفئ أرواحها السبعة…أتأمل ذاك الطفل صاحب العينين الرماديتين يعبث بشعره تحت زخات المطر،وكأنه يلامس القمر بأصابعه…تأملت العابرين على الرصيف كل يهرول مسرعا ليحتمي من الغيث…تأملتك أنت تقف عاجزا عن السير،عاجزا عن مد ذراعيك فتضمني إليك مرة أخرى…هنا خانتي تلك القطعة البشوشة يسار صدري حتى عيناي خذلتاني…عيناك البنيتين تلك كسرت حاجزا شديته بحبل الأوجاع و الأحزان…صوتك يشبه الغيمة المطيرة التي حلت بعد سنين من القحط،ورائحتك تشبه رائحة التراب المبلول…هنا ياوجعي سقطت دموع اليأس من قلبي،دموع تراكمت منذ سنين تنتظر عودتك, أما أنت…أنت فقط تقف هناك وتنظر إلي كرضيع يبصر أمه للمرة الأولى،كمن يهوي الكعبة و ينحرم من تقبيلها. أقف و أتأمل الخيبة على وجه شبه رجل ربما أحببته يوما،أحدق بك يا عزيزي ولا أرى سوى ذاك الصباح المشؤوم الذي غاذرتك فيه…غادرت وبيدي زهرة الياسمين لتزهر حياتي بعد أن ذبلت بوجودك،غادرت وتركت باقية الزهور لك لعلها تفوح بعطرها على صدرك وتجعل منك غصنا لا يميل…لوهلة أحسست بعيناي تبكي بلا دموع،و قلبي يصرخ ولا صوتي يخرج،انهار وقدماي لازالت تقاوم، حتى السماء حينها كانت حزينة لرؤيتنا نتقابل من جديد…لقد كانت ذات الشتاء حين أحببتك،حين ضممت يداي بين صدرك خوفا علي من البرد،تلك الشتاء ياوجعي عادت بك لتمسك بها بعد تركها بلا عون…عدت بعد أن تخليت انا عن الحب ودروبه،بعد أن كرهت كل فاقد ومفقود،عدت بعد خذلانك لروح نامت على أمل شفائك فأصبحت على موتك…أدرت ظهرك ومشيت بخطوات ثابتة وتركت خلفك قلبا مهجور لا يسكنه سوى طفلة تقاوم الظلام،طفلة تمارس طقوس العزاء كل ليلة لتنتهي من عذاب كنت أنت مسببه… أعدك يا أنت سيأتي يوما تخوض حربا لأجلها،حربا بلا جيش ولا جنود ولا قائد سواك أنت وسجادة، تركع وتسجد لله وتذرف أدمعك ببطء عسى أن يعيدها إلى دربك… هل أخبرك بسر؟ هذا الليل حزين جدا،حتى نبضات قلبي تعلو لربما تعزف على وتر الأماني لتنبض لك من جديد. أصبت بقشعريرة تهز جسدي،إلهي أكنت أنت أم كان طيفك يحوم حولي. أتذكرت ذلك اليوم؟…حين أخبرتك أنني أحبك كان الجو ممطر كما اليوم، والأرض تكسيها الثلوج…عندها اقتربنا لبعض،تشابكت أيدينا بقوة وصحت أنت تقول:كيف لعنيد أيدينا بقوة وصحت أنت تقول:كيف لعنيدة مثلك تقع في حب رجل غريب بهذه السهولة…؟ مرت سنتين ولا أرى رجالا غيرك،كنت أحميك بأنوثتي من النساء الأخريات، تشتعل نار غيرتي كلما مرت بجانبك أنثى، كنت كمن يملك كنزا ثمينا…لم أعد أعشق الثلج ولم أعد مولعة بالمشي تحت المطر،نسيت الكل بغيابك إلا أنت فلما عدت الآن تقف أمامي وصوت الرعد يلوث مزاجي لطالما أخبرتك أنني أخافه كثيرا…لقد كان أسوء منظر هذا المساء،أو ربما في حياتي كلها،أصبح قلبي كالشمس الحزينة خلق للتأمل فقط… تجاوزت الشرفة لأتقرب منك،مشيت نحوك وغصن الكبرياء يتآكل بداخلي يمنعني من أن أتمادى في خطواتي إليك،لتعلم إني أشتاقك كالأطفال غارقة في بئر الغباء…لقد صعقتني بأفعالك الشنيعة، نلت مني مايشبع رغباتك الحيوانية حتى نفد صبري،ثم أتى بك الزمن إلي…عاد بك لعناق الأمان كعناقي لك…عدت لتأخذ مني ذاك الحب الذي علمتني إياه… إقتربت بخطوات ثابتة إليك تبادلنا بعض النظرات تأكدت حينها أنك تشتاق لكل تفاصيلي،تحن لكل شيء تركته معي… أدرت ظهري لك وعدت للشرفة، اتأملك وأنت ترحل وتترك نصفك الآخر هنا ليشتاق… وكان ذلك آخر ظهور لك بحياتي لأنسى بعدها ملامحك،صوتك،ضحكتك،ثم وعودك الكاذبة…وينتهي كل شيء.

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1. أنت كاتبة لها من الموهبة ما سيحملها بعيدا كي ترسخ مكانا لها في ساحة بيد صغرها لقلة الكتاب فيها لكنها تعد بمستقبل واعد لك يا عزيزتي.
    كل التوفيق
    #عاشق_كتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق