هاته أسرار الشاب ميمون في لحظاته الأخيرة

 

 

 

       سعيد سونا

 

صلى الفجر صبيحة السبت 3 نونبر 2018 ، وأيقن ميمون برزانته ، أن موعد الرحيل قد حل ليخلص ذاته من مرض لعين مزق أحشائه، فلم يجزع ولم يتبرم، فواصل صلته بربه ، عبر ورد من الأدعية الرهيبة ، ليختتمها بنطق الشهادتين قبيل صلاة الظهر ، وهو في كامل وعيه ، ليسلم الروح إلى صاحبها، حتى تستقر إلى جانب أوليائه واصفيائه وشهدائه … كيف لا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” من مات بالطاعون فهو شهيد ” وقد قاس على ذلك جمهور الفقهاء فقالوا ” من مات بالسرطان فهو شهيد كذلك ” ، لقد كان يقينه بالله كبيرا ، ولذلك كانت آخر اغنية له في حياته ” دير يقينك فالله ” .

 

 

في الأسبوع الأخير من حياته ، بعدما أكد الأطباء في المستشفى العسكري بالرباط ، أن حالة ميمون وصلت إلى مداها، حل بفيلته بالقرب من الملعب الشرفي بوجدة ، وكان يجمع العائلة من حوله ، فتبدأ والدته التي قامت بعمليتين جراحيتين بالموازة مع مرضه ، بالدعاء له ولجميع أبنائها، لكن فور انتهائها من الدعاء ، كان ميمون يسترسل بمجموعة من الأدعية الربانية بصوت شبه مفقود لكنه مليء بالدفأ و صدق الإيمان، دعى للشعب المغربي ولأسرته وإخوانه وكافة الفضلاء الذين لم يتخلو عنه …

 

 

ميمون الاسد هكذا قال لي في يوم مشهود ” أخي سونا انا الاسد وانت شبلي … ” ولذلك كلفني شقيقه المرافق له في مسيرته الفنية ، الشاب كمال بالقاء كلمة الوداع التابينية في جنازة الرجل ، فكان امتحان عسير بالنسبة لي حتى اتمكن من توديعه وداع العظماء …نعم لقد صدقت الايام لقد رثا الشبل الاسد …حذاري لم تكتمل مهمتي بعد .

 

 

فرغم تمكن المرض منه استقبله في البداية باريحية المؤمنين الذين قال فيهم رسول الله ” الأنبياء هم المبتلون ثم الأمثل والأمثل ” .

 

 

مر ميمون بثلاث مراحل في فترة علاجه ، فكانت الأولى والأخيرة ، مليئة بالجراح لوطن كفر بمبدعيه، لقد كان يكرر دائما انا لا أطلب انا أطالب … ” أي انا لا أسعى …” تكالب عليه الوسط الفني ، الذي خدعه في جنازته ، فانكشفت عورة المكابرين، الذين كانوا يركبون على مرضه ، وينظمون السهرات التافهة ، التي كانت آخرها مهزلة فرضت على ميمون رغم أنه لم يتقبل الأمر ، فغابوا كلهم عن جنازته التاريخية، فقد كان عزيز النفس شامخا كجبل أحد ، هكذا هو ميمون بشحمه ولحمه وعواصف غضبه التي لم يسلم منها حتى في مقاومته لمرضه سرطان القولون .

 

المرحلة الأولى من علاجه ارتكب فيها الأطباء خطأ استراتيجي لم يترك لخط الرجعة سبيلا …حيث صرح أحد البروفيسورات لأخيه وشريكه ورفيق دربه الشاب كمال، أن كان على طبيب وجدة أن يقطع الجهة المريضة في القولون من جهتين ، ثم يقوم بحشو الجانبين وتخييطهما، لينتهي المرض نهائيا ، لكنهم قاموا بشيء يبين مدى رداءة الخدمات الصحية بالجهة الشرقية ، بعد ذلك كانت المرحلة الثانية تكلفت بعلاجه الأميرة لالة سلمى بعقدة علاج ، فكانت تلك مرحلة رجوع الامل ، التي جعلت الابتسامة تعود لمصالحة وجهه الموقر ، لكن عند نهاية العقدة رجع ميمون إلى وجدة لاستكمال العلاج ، ليتلقى الإهانة تلوى الأخرى ، حيث كان يصحبه شقيقه المكي لمستشفى لمزوارية لكنهم كانوا يجيبونه بكل صفاقة برصاصات استقرت في صدره ورسخت إحساس الخيانة وهو يتلفظون بكلمات قاسية من قبيل ” ماعندناش …من بعد ورجع …ماعندنا مانديرولك ” أما أم المهازل عندما كان يصطف ميمون في صف طويل دون مراعاة لوضعه الاعتباري عند المغاربة ، فسال الدمع وتفقأ القلب …

في المرحلة الأخيرة وبعد الكثير من التلكؤ المر ، الذي يسمم نفسية المريض ، تكفل وزير الصحة باستكمال علاجه بالمستشفى العسكري بالرباط ، لتعلن العاصمة عن انتهاء مكابح لجم المرض ووصول الورم إلى مداه ، فكانت العودة ثم الذهاب للاستقرار نهائيا إلى جوار رب رحيم .

نعم كان وزير الاتصال انذاك مصطفى الخلفي ، في الموعد في المرحلة الأولى من علاج الراحل ، وكان كذلك محمد الأمين الصبيحي وزير الثقافة السابق ، وكذا الشأن بالنسبة لوزير الثقافة والاتصال الحالي محمد الأعرج ، لكن في العموم كان هناك تقصير في حق رمز فني وطني مكتمل الأركان ، بكاه الشعب المغربي عن بكرة أبيه ، حيث اختنقت وجدة يوم جنازته بحشود الأنفاس الحرة التي ودعت فنانا كان في عشق متبادل مع جمهوره …لكن الجنازة شهدت غياب كل المسؤولين الحكوميين، وكل رؤساء المجالس المنتخبة بالجهة الشرقية …أما حفنة المرتزقة من الفنانين فلم يكلفوا أنفسهم عناء السفر لتوديع هرم فني ورمز إنساني .

مر الشاب ميمون بمرحلتين في مساره الفني، مرحلة الذروة حيث كان المؤسس والملك لأغنية الراي المغربية ، ومرحلة الحكمة والنضج حيث تحول إلى شاعر فحل في قمة الرصانة والإبداع، فاغنى الخزانة الفنية المغربية بأزيد من 100 قطعة موسيقية ، بمرافقة أخيه الوفي الشاب كمال الذي كان له الفضل الكبير على مسار الراحل .

ميمون كان صارما في أبعاد أبنائه عن الأضواء ، فكانت النتيجة تفوقهم الدراسي ، في أكبر الجامعات في اروبا ، رغم أنه كان يرفض دعاواتهم للذهاب للضفة الأخرى وكان يردد :

بلادي وان هانت علي عزيزة – وأهلي وان ظنوا بي كرام

الراحل كان يطالب برفع الحيف على فناني الجهة الشرقية ، لقد كان منافحا عن أصدقاء الدرب ، فلم يتمكن من هضم خبر علاج الفنان حسن الحسيني بالرميد، في غياب أي تغطية لفناني الجهة الشرقية ، ليترك وصية القتال من أجل كرامة فناني المنطقة لأخيه كمال ، الذي يشتغل على مشروع كبير سيعرضه تنفيذا لوصية الراحل، على وزير الثقافة والاتصال .

لله درك ياميمون ستتعب كل من سيأتي بعدك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق