خطاب العرش منهاج للأجرأة و التطبيق و ليس للتطبيل و التصفيق

رضوان جراف

لعل من أهم الملاحظات التي يمكن للمرء ملاحظتها بخصوص الخطب الملكية، هي ذلك الزخم الاحتفالي التي تقابل به من طرف المحللين السياسيين و المسؤولين الحزبيين، الذين يبدؤون في تعداد إيجابيات الخطب و الأفكار الإصلاحية، غير أن هذا الاحتفاء بالأفكار التي يطرحها الملك في خطاباته لا تجد سبيلها إلى أرض الواقع الموضوعي لعموم الشعب المغربي، الذي ظل يتساءل و يطالب دائما بتنزيل مضمون خطابات ملكه على واقعه المعيش.

فلو عدنا مثلا إلى خطاب الملك في افتتاح البرلمان، و الأفكار التي طرحها على سبيل المثال فيما يخص إصلاح الإدارة، بدأ الجميع بالتهليل و الإشادة بالخطاب الملكي الذي وصف بأنه وضع الأصبع على الجرح، فسودت الصحف و تعددت القراءات و امتلأت المواقع بتحاليل الخبراء و المثقفين و أشباههم، إلا أنه و بعد انقشاع الغبار، لم يجد المواطن المغربي أي إرهاصات تدل على أن أفكار الملك بدأت تأخذ طريقها إلى ارض الواقع، و هذا هو المشكل الحقيقي الذي يعاني منه المغرب، و كأن الأمر يتعلق بأذرع خفية تقف ضد أي رغبة إصلاحية، فهل هذا مرتبط بنمط و عقلية سائدة بين مفاصل الدولة لا تفهم جيدا مضامين الخطب الملكية، أم أنها غير قادرة على تنزيل مقتضياتها و جعلها تنساب بشكل سلس حتى تصبح واقعا معاشا يلمسه المواطن المغربي عن كثب.

لذلك يمكن أن القول أنه بالرغم من كل الدعوات و التوجيهات التي يقدمها الملك من خلال خطبه، فإن الأوضاع لم تتغير بالشكل المطلوب، و قد يكون هذا راجع بالأساس إلى ضعف الحكومة بالدرجة الأولى في بلورة تلك التوجيهات إلى قرارات واجبة النفاذ، أو عدم استيعابها لتلك القرارات أو ربما أنها تعتبر نفسها غير معنية بتلك التوجيهات.

لكن الأكيد أن العقلية و البطء الذي تسير به الحكومة و مختلف الإدارات التي يغلب عليها النمط البيروقراطي البائد، تأثر سلبا على تنزيل مقتضيات التوجيهات الملكية، فاقتصار الوزارات و الإدارات على توجيه مذكرات مصلحية في عدد من شؤون الإصلاح، يفرغ هذه التوجيهات من محتواها و يحولها إلى حبر على ورق ليس إلا.

لذلك فالمخرج الوحيد من هذا المأزق الذي يقف حجر عثرة أمام وصول القرارات الملكية إلى واقع يعيشه المواطنين، هو أن يشمر المسؤولون عن سواعدهم، و يتركوا مكاتبهم المكيفة ليتتبعوا درجة تنزيل القرارات التي يتخذونها، مع حرصهم الكبير على تطبيق مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، مع إيمانهم الشديد بأن الخطب الملكية هي نتيجة إنصاته لصوت الشارع و على ذلك فإن هذه الخطب تستدعي التفعيل و الأجرأة و التنزيل، و ليس التهليل و الإشادة و التطبيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق