fbpx

فيضان السودان..العالم يتساءل لماذا التحيز في التعاطف

تابعنا على جووجل نيوز تابعنا على

10 سبتمبر 2020 - 4:45 م

عبد العالي الشرفاوي

 

 

انتبه الرأي العام متأخرا لوجود تحيز في التعاطف مع الشعب السوداني إثر مصابه بفيضانات النيل لهذا الموسم، وذلك بعد أن استمر لأكثر من أسبوع، وقتل أكثر من 100 شخص، وشرد آلاف الأسر، إلى جانب الأضرار الإقتصادية التي تقدر بالملايير، وكانت الخسائر على المستوى الاجتماعي أشد فداحة.

 

 

وعبرت تديونات كثيرة رصدت عبر مواقع التواصل الاجتماعي تتساءل عن سبب التحيز العاطفي الذي تفجر مع تفجر ميناء بيروت مثلا، أو عند مقتل جورج فلويد تحت ركبة رجل شرطة، فيما لم تحتشد بالقدر الكافي عندما ذاعت صورة جندي اسرائيلي يضع ركبتيه على مواطن فلسطيني، كما لم تحشد صور غرق مئات البيوت وتلف الممتلكات ومقتل العشرات تحت السيول.

 

 

وتتعدد الصور بلا حصر إذا ما رجعنا إلى كثير من الأحداث والوقائع التي تظهر مدى تذبذب مستوى التعاطف العام إزاءها، والتي قد تتخذ صورة تعاطف كبير مع كلب أهمل في الشارع، في حين قد تجد تغافل تام لإبادة قرى كاملة بالقنابل، حتى ليتمنى الإنسان حينها لو كان كلبا في بلد يحترم الحيوان على ان يكون إنسان في بلد يحتقر الإنسان.

 

 

والحاجة للتعاطف عظيمة لدى المكلومين، والمتضررين، تكون أعظم،لدى المنتهكة حقوقهم، وقد تكون مواساة وطاقة للصمود لديهم، وذلك عنوان الحاجة الى الترافع للدفاع عن الحق أو إثبات البراءة، لدى الرأي العام، فيصبح التعاطف حقا، وغيابه شعور بالغبن والتنقيص، تماما كما يحيلنا عليه نموذج حشد اليهود لرصيد كبير من التعاطف في محرقة الهولوكوست، وتداوله في بورصة الرأي الدولي كعملة لشراء دولة على حساب شعب لم يحشد التعاطف المقابل رغم تعرضه للإحتلال والاغتصاب، والتهجير، وبقيت عملته رخيصة في سوق الرأي العام.

 

 

التعاطف هو الحجة العمياء التي تستعمل في المحاكم، وفي السياسة وفي التجارة، بدون أي معيار أخلاقي أو عقلي، إلى درجة أن العاطفة في الكثير من الأحيان هي ما تحدد المواقف، ولسبب غير واضح نجد تعاطف مع المجرمين والتماس الأعذار لهم، فقط لأننا عرفنا ماسيهم الاجتماعية، وكثيرا ما تم التسامح مع أخطاء البعض لأن لهم مكانة اجتماعية ما، في حين يتم التعامل بقسوة ضد أناس اخرين افتقدوا لطاقة التعاطف، وهي الخطاب المقنع الذي يستعمله من لايستطيع الاعتماد على معلومة أو فكرة، أو منطق، كالمتسولين في الطرقات، والمنحرفين في المجتمع، والمستبدين في السياسة، وتجار السلع الفاسدة، وهذا مايبرر حاجة كثير من الخطباء في المنابر للدفاع عن مفاهيم معينة للحرية في التفكير والسلوك، تجعل العاطفة على أرضية لزجة لا تستقر عليها النفس البشرية.

 

 

ونحن إزاء هذا الموضوع لابد أن نقف على ما اقترفته الميديا في توجيه هذا التحيز، دون أن نلغي مسؤولية الذات في تقبل تحيزها غير المعرفي، وخضوعها من قبل الميديا، من لغة الخبر والصورة السينمائية..وذلك لتبليد الحس، وتبريد المشاعر، وتثبيت الموقف على مستوى الصفر، وتهيئه لتقبل لغة العواطف المنحازة لمصالح فئة معينة، وجنس معين، وسلع معينة، على حساب شعوب من المستوى متدني في درجة المواطنة.

 

 

ولهذا السبب اختص علم النفس بدراسة العواطف، والوقف على مظاهر التعاطف الزائد، والمتحيز، والجوانب الأخلاقية واللأخلاقية المتعلقة به، ومدى حاجة الإنسان إليه، وهل العاطفة هي من تتحكم في العقل أم يجب أن العقل متحكم بالعاطفة، وهل يجب أن نضع مسافة بين العواطف والواجب، وهل التعاطف أمر مطلوب أم أمر سلبي، وتلك هي الخلاصة التي قد تبدو مزعجة، لكنها هي في اخر المطاف مايحتاج إليه الإنسان، فلا حاجة للتعاطف مع السودان إذا لم تتداعى الدول بالتضامن والتعاون وأداء واجب الإعانة، بدون شرط التشابه في العقيدة أو اللون أو المصالح.

 

 

وتهمنا صورة الانتباه العام للتحيز العاطفي في قضية التضامن مع السودان، مرة أخرى على وحدة مشاعر الانسانية، فالانسان السليم يتعاطف مع الشعب اللبناني في حادثة الانفجار لأنها كارثة مؤذية للانسان البريء، ويتعاطف مع جورج فلويد لأنه ينبذ العنصرية، ويتعاطف مع الشعب الفلسطيني لأنه ينبذ الاحتلال، ويتعاطف مع الشعب السوداني لأن الكارثة طبيعية مؤذية، ودون الحاجة لمعرفة التفاصيل، التي قد تشوش على المقصد الانساني العام، فثمة على كل حال فكرة معيارية ثاوية في المشترك الإنساني السليم، والتي تشتغل كألية تصحيح في مسارات الانحياز غير السليم للسلوك البشري، سواء في الكوارث الطبيعية أو الجوائح، أو في الحروب والنزاعات السياسية.

 

ولذلك فإن حماية مواقفنا من الانحياز العاطفي، تعتمد على نظام اشتغال الدماغ في عملية التفكير في العواطف في حدود مسافة تسمح للتفكير وفهم وتبصر ما يشعر به الآخرون، وآخذ الاراء والمنواقف المختلفة، دون حاجة لعيش تجربة الاخرين وتقمصها كليا، من خلال مايسمى “التعاطف المعرفي” وهو مايعطي للتعاطف أبهى صوره المتجلية في التراحم، مصداقا لقول النبي “رحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء”.

 

ربما هذه هي الحكمة من وقوع كوارث أقوى من قدرة الانسان رغم ادعاء تمدنه وتطوره، فكارثة فيضان السودان امتحان عام للبشرية، لتصحيح خلل التفاضل بين الشعوب والأمم، تحت معطى أو مصلحة، تماما كما فعلته جائحة كورونا، التي فرضت مفهوم وحدة مصير البشرية جمعاء، لافرق بين صيني أصفر في آسيا، وهندي أحمر في أمريكا، وأسمر في إفريقيا.

 

اترك هنا تعليقك على الموضوع

مشاركة فيسبوك تويتر واتساب