سعاد اشوخي تكتب..متى سنفرح؟

تابعنا على جووجل نيوز تابعنا على

6 يناير 2021 - 11:36 ص

 

“ما هو الوطن؟ الأرض؟ التلال الجرداء؟ العيون القاسية التي ينصهر منها الحقد والرصاص وكلمات السخرية؟ الوطن أن يجوع الإنسان؟ أن يتيه في الشوارع يبحث عن عمل وراءه المخبرون؟”

الأشجار واغتيال مرزوق، عبد الرحمن منيف

 

تفجع في هذا الوطن بهجرة الأدمغة، وفشل من بقي منهم في الحصول على وظيفة والنجاح في مباراة اجتهد في التحضير لها والإحاطة بكل شروطها.”تفجع” كلمة كبيرة لكنها قليلةجدا أمام الواقع الذي نعيش.

في هذا الوطن الكبير ليس لك الحق في البكاء، حتى وإن اغرورقت عيناك بالدموع لن تسعفك نفسك، فهي أيضا متواطئة معهم في إيجاعك. تتركك تموت حسرة دون أن تذرف بعض الدموع التي يمكن أن تُنفِّس عليك وتطفئ لهيب احتراقك.

أكثر من يبحث عن الدمع ولا يجده ذلك المعطل -أقول ذلك المُعطل وليس العاطل لأن فعل التعطيل قد مُورس عليه ولم يختره لنفسه اختيارا- الذي يحمل شهاداته بين يديه ويطرق أبواب الشركات والمقاولات والإدارات العمومية والخصوصية بحثا عن وظيفة شاغرة ليعود في المساء بخفي حنين. ذلك المعطل الذي يدخل مباريات التوظيف كله أمل في غد مشرق، ويخرج منها يائسا ساخطا على كل أنواع الفساد. ذلك المعطل الذي يُنظر إليه في مجتمعنا نظرة احتقار، فالمعطل في عيون المجتمع فاشل مالم يحصل على وظيفة مهما كانت حقيرة.

كرامة كبيرة أن تفتح عينيك في هذه الحياة على قلم وورقة، ثم تعشق الحروف وهي ترقص أمام ناظريك، تستمر على هذا العشق سنوات لتتوَّج في الأخير بأعلى الشهادات وتحصل على أكبر الألقاب. لكن، أن تظل في عين المجتمع مجرد معطل عاطل لأنه ببساطة ليس لديك حساب بنكي لعمري أكبر مهانة. فيصبح حب الكتاب والكتابة ومجاراة أهل العلم نقمة عليك لأنك لست مثلهم أو لأن بعض أقدارك لم تصبك بعد.

من المؤسف جدا أن تجتهد في هذا الوطن الكبير لتحصل على لقب عاطل/ معطّل. جريمة إنسانية أن تتبعك العيون وتجرحك الألسن: (مسكين قرا حتى عْيَاوباقي والديه خدَّامين عليه، مسكينة عْوَارتبالقْرَاية لا وظيفة لا زواج؟ !) وأنت تسمع هذا الكلام تصاب بالدهشة بل بالإحباط هل أنا حقا فاشل؟

قبل أيام مرَّ موسم البكاء بلا دموع، فظهر في المجتمع “فاشلون” جدد بألقاب مُشرِّفة، لا يعيها غيرهم، لا يعيها إلا من هم مثلهم. مر موسم البكاء ولم يحصلوا على دمعة تبرد حرقة القلب ولا فرحة يبصمون بها اسمهم في عالم الناجحين حتى يُشيد بهم المجتمع ويُسمعهم زغاريد النصر.

في هذا الوطن الكبير يؤجل الفرح سنة بعد أخرى، ليس لشيء سوى لأن الفرح ليس من حق الجميع.

يراود كل “الفاشلين” الذين يحملون ألقابا عالية كغيرهم من الذين لا يحملون ألقابا تشفع لفشلهم، حلم دول النفط وعبور البحرين نحو الفردوس وبلاد العم سام، فهناك تستقبل الألقاب بالأحضان والزهور وغير الألقاب بالمعاول والفؤوس أو حتى مواد التنظيف لا يهم مادامت هناك فرصة الحصول على بطاقة بنكية دسمة. إنه هروب شرعي نحو المستقبل الذي لو وجدوه في أوطانهم ما تركوه.

لكن، ليس كل ذي لقب يقبل الهروب، ويستسلم للحلم اللذيذ. هناك من يقول بثقة: إنا هاهنا قاعدون لعل الغد يحمل بشارة فرح. أليس هذا الوطن الذي تغنينا به صغارا

لست تلقى كالمغرب الفذ أرضا **ولو اجتزت الأرض طولا وعرض

كرمت منبتا, وطابت هواء ** ونعيما , فليس يبرح غضا

فلعله يصيبنا بعض هذا الخير ونتذوق حلاوته، ولعل العين التي تضن بالبكاءتجمع دموعها ليوم الفرح، دموع اعتراف ووفاء لعطاء هذا الوطن.

فما هو الوطن إذا لم يكن بسمة من الفرح تستيقظ من نومك مشتاقا لتعانقها أو قبلة محب على جبين حبيب؟

ما هو الوطن إذا لم يكن جغرافيا من الورد والسعادة،بساتين من الأملمترامية الأطراف لامتناهية الحدود؟

ما هو الوطن إذا لم يكن عيونا من المحبة والوئام؟ كلمات من التكافل والتضامن والحياة الكريمة؟ عبارات تنصهر فيها كل الأخلاق الإنسانية الخالدة؟

ما هو الوطن إذا لم يكن كنزا ممتدا من بحر لمحيط لصحراء لجبل؟ جغرافيا لا يجوع فيها أحد ولا يعرى؟

ما هو الوطن إذا لم يكن سكنا للقلوب الحائرة؟ ملاذا للمعدومين والتائهين؟ مأمنا للنفوس المتعبة من وجع الحياة؟

أين الفرح؟ بل، أين الوطن؟

الوطن، حلم مواطن بسيط يتغنى صباح مساء بقول الشاعر: بلادي وإن جارت علي عزيزة، لا يفكر في الكثير، سوى بيت يحميه من العراء ووظيفة تكفيه مذلة السؤال.

 

 

اترك هنا تعليقك على الموضوع

مشاركة فيسبوك تويتر واتساب