خالص جلبي يكتب: عالم الجينات أشبه بعالم الجن

تابعنا على جووجل نيوز تابعنا على

3 فبراير 2021 - 11:10 ص

بقلم : خالص جلبي 

بقدر ماكانت افتتاحية فيلم (جوراسيك ـ بارك  JURASIC  PARK) مثيرة ومسلية بقدر ماكانت خاتمته كارثة كاملة وفاجعة تدعو للتأمل؛ عندما أطلت هذه الأوابد (الديناصورات) التي انقرضت قبل ست وستين مليون سنة (66) من ظهر اليابسة، وكأنها البناية الكبيرة المتحركة، تهز الأرض بوزن يزيد عن خمسين طن، وبطول يتجاوز العشرة أمتار.

فيلم يخرج إلى الوجود حيوانات خطيرة تنفلت من أقفاصها بين الناس، تبطش ببعضها البعض وتفترس الناس، ذات هيكل مرعب ودماغ صغير قاصر، بأنياب بطول (18) سم، وأظلاف أحدَّ من مشارط الجراحين، وبوثبات تذكر بحيوان الكنغارو الاسترالي.

مخرج الفيلم ستيفن شبيلبيرج (STEVEN  SPIELBERG) راعته الحكاية الجديدة والأمكانيات التي تفوق الخيال في قصة الجينات (البروجرام الوراثي) في خلية كل كائن حي، والتي تشبه البذرة في الثمرة، فأقام العمود الفقري للفيلم على هذه الفكرة، ولكن قبل الوصول الى طرافة عقدة الفلم والعتبة الجديدة التي يخترقها علم الجينات، علينا أن نعرف ماهي الجينات أولاً؟

في الستينات من هذا القرن استطاع الثنائي العلمي (واطسون ـ كريك) أن يصلا الى كشف يعتبر ولعله الكشف البيولوجي الأهم في القرن العشرين  أن الكائنات الحية ومنها الانسان تحافظ على نفسها، وتكرر وجودها من خلال خريطة هندسية سرية في غاية الدقة والخفاء والتعقيد، قد حُفظت في خزانة أمينة مقاومة، لاتصل اليها أيدي اللصوص والعابثين؛ فأما الخزانة فهي نواة كل خلية، وأما الشيفرة السرية للخلق (CODE) فهي وثيقة مكتوبة بلغة لاتشابهها أي لغة في العالم، ولاتقترب منها لا النقوش المسمارية ولا اللغة الهيروغليفية لقدماء المصريين؟!

والحروف المستخدمة لهذه اللغة السرية مكونة من أربعة حروف فقط، ومن هذه الحروف الأربعة تكتب اللغة الجديدة، وهذه الحروف الأربعة هي تراكيب عضوية لأربعة أحماض أمينية هي (السيتوزين والغوانين والثيميدين والادينين ATCG) فاذا أردنا ترميز هذه الأحماض الأمينية الأربعة بأربعة حروف كانت: ( الألف والسين والجيم والتاء ـ أ .. س .. ج .. ت ..)  ومن تتابع هذه الحروف تتشكل كلمات الخلق الجديدة، ففي نواة الخلية يوجد مجلد ضخم مكون من (500) خمسمائة صفحة من تتابع هذه الحروف المبهمة (ا ا س ت ج ت ت ت ج س س ا ج ج س س ت س ا) التي تشكل لغة الخلق الكاملة، وبواسطتها تتشكل كل تراكيب البدن؛ من لون القزحية في العين، ولعاب الفم، وتراكيب الهورمونات، وتنوع مكونات بلاسما الدم، وتباين الانسجة، وافراز الانزيمات وهكذا.

وبالنسبة لنا فإننا لانفقه شيئا من هذه اللغة التي تنساب بدون فاصلة وهمزة او اشارة تعجب، ولكن الخلق المستمر يمشي على هذا التتابع والنظم، وكل شيء يتشكل في جسم الكائنات سواء كانت تفاحة أو ذبابة،  بعوضة أو جرثوم، انسان أم حيوان، فان خريطة تكوين كل شيء فيه يرجع الى اللوح المحفوظ الداخلي، الذي يملي أوامره حسب الحاجة في اصلاح أي عطب، أو انجاز أي تركيب، أو ترميم أي نقص.

هذه الخريطة السرية المحفوظة بعناية فائقة داخل نواة كل خلية (وعدد خلايا الجسم في المتوسط حوالي 70 مليون مليون خلية) قد لُفِّفَت ووضعت على شكل خيط رفيع ملفوف بشكل (كبة)، ونفس هذا الخيط الرفيع اذا نظر اليه تحت الجهر المكبر يبدو بشكل خيطين متجاورين ممتدان بنفس الطول والاستقامة، بجانب بعضهما البعض، فهما مثل عمودا السلم الذي يمسكه في الوسط (الدرجات)، ولكنه قد لُفَّ بشكل حلزوني، مثل مصاعد وسلالم البنايات العالية الداخلية.

هذا السلم هو في الواقع أشبه بعمود نبات سكر القصب، أي الحلقات المتصلة ببعضها البعض، وهي في الخلية كل حلقة مقابل حمض أميني (نووي)، وهكذا يتتابع ترابط وتسلسل الأحماض الأمينية ليمتد الى حوالي ثلاثة مليارات هي كامل الخريطة الهندسية السرية المحفوظة للانسان، وهي في بقية الكائنات أقل فقد تصل في الباكتريا الى بضع آلاف فقط (ومثلا فقد أعلنت مجلة صورة العلم الألمانية في عددها العاشر عام 1995 م عن فك الشيفرة الكاملة لجرثوم الانفلونزا الدموية  BACTERIUM  HAEMOPHILUS  INFLENZA   وتبين أنها تتكون من (1,8) مليون حامض أميني (نووي) وتتكون من (1743) جين (كلمة كاملة) وهم في طريقهم لقراءة النص الكامل للوح هذا الجرثوم، فالكثير من الجينات ذات وظيفة مجهولة).

والآن اذا نظرنا الى التكوين الكامل للكائن الحي فانه خليط مرعب من التراكيب، معقد في غاية التعقيد، ولكن المسؤول عن تكوين كل شيء، أو تعويض أي نقص، أو اصلاح أي عطب من عضلة أو عصب أو هورمون، فإن أمره يعود الى الخريطة الهندسية الأولى الموجودة في نواة الخلية التي تتربع على العرش تعطي الأوامر. ويحدث كل هذا وفق اللوح المحفوظ أي التركيب الكامل لكل شيء في البدن، فالمليارات الثلاث من الجينات هي كلمات الخلق الأساسية، وكل مجموعة من عدد محدد من الأحماض الأمينية الأربعة التي ذكرناها هي شيفرة خاصة بانجاز محدد؛ فقد نرى (ا ا ا ت ت س ج س ج س ج س ت ت ت ج س س س) وتعني هورمونا ما مثل الانسولين المسؤول عن حرق السكر، أو التستسترون الهورمون المسؤول عن الذكورة في الرجال، أو تركيب الكولسترول (شحم الدم) وهكذا.

اترك هنا تعليقك على الموضوع

مشاركة فيسبوك تويتر واتساب