تنزيل النموذج التنموي الجديد في ظل الأزمة الصحية “كوفيد19”

إقتصاد و سياحة كتب في 1 أكتوبر، 2021 - 18:51
النموذج التنموي

يسرى هتافي ـ عبّر

 

يحمل تقرير النموذج التنموي الجديد الذي قدمه شكيب بنموسى إلى جلالة الملك محمد السادس، طموحات وآفاق جديدة من شأنها إحداث تغييرات جذرية في البنية التنموية، وقد خرج التقرير إلى حيز الوجود بعد عامين من اللقاءات المكثفة مع مختلف الفاعلين السياسيين والاقتصاديين والمدنيين، واعتمدت اللجنة خلال اشتغالها على مشاورات أجرتها مع فئات مختلفة، ونظمت عدة ندوات ولقاءات تفاعل معها 9700 شخصا، وتوصلت بأكثر من 6600 مساهمة مكتوبة، فضلا عن توظيفها منصاتها الإلكترونية لتلقي مساهمات المواطنين.

ويمكن القول بأن التقرير قام برصد عدد من أزمات التنمية التي تعاني منها بلادنا، فضلا عن اقتراحه لمجموعة من الإجراءات التي يتوجب على المؤسسات العمومية تبنيها لتجاوز المرحلة المتسمة بالأزمة من حيث التنمية، إلى مرحلة أفضل وذلك وفق أجندة زمنية محددة تصل إلى سنة 2035.

ويتمحور النموذج التنموي الجديد حول ثلاثة مكونات تتداخل وتتكامل في مجموعها منظومة متجانسة ومندمجة كفيلة بسريع وتيرة انتقال المغرب نحو توازن جديد، يحفز على خلق قيمة مضافة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والمؤسساتي وتتمثل فيما يلي:

• طمـوح يحـدد الهـدف المنشـود ويعبـئ جميـع الفاعليـن فـي إطـار مشـروع جماعـي وجامـع وبأهـداف واضحـة وقابلـة للتحقيـق.

• مرجعيــة للتنميــة، كعامــل مركــزي وتحولــي للنمــوذج الجديــد، يرتكــز علــى توجــه تنظيمــي جديــد بشــأن دور الدولــة وعلــى تقليــص تداخــل الأدوار وكــذا علــى مبــادئ العمـل ومسـؤوليات مختلـف الفاعلين.

• اختيـارات وتوجهـات اسـتراتيجية مـن أجـل بلـوغ الطمـوح الوطنـي المقتـرح فـي انسـجام مـع هـذا الطمـوح ومـع الإطار المرجعـي الجديـد. فـي مجالات الاقتصاد والرأسـمال البشـري والإدماج وتنميـة المجالات الترابيـة.

لجنة النموذج

 

“في أفق 2035 ،يتعزز المغرب كبلد ديمقراطي يمتلك فيه جميع المواطنين القدرة الكاملة على تولي زمام أمورهم وتحرير طاقاتهم والعيش بكرامة في مجتمع منفتح ومتنوع وعادل ومنصف. بلد قادر على خلق القيمة المضافة، يستثمر مؤهلاته بصفة مستدامة ومسؤولة، مستندا على التقدم المضطرد الذي يحققه على المستوى الوطني، يبرز المغرب كقوة إقليمية تضطلع بدور طلائعي في مواجهة التحديات التي تواجه العالم.”

على الصعيد الاقتصادي

يروم تقرير النموذج التنموي الجديد مضاعفة الناتج الداخلي الخام للفرد وتطوير الاقتصاد، لمعادلة القوة الشرائية وتحسين جودة المعيشة والتوزيع المنصف لثمار التنمية، والتركيز على خلق اقتصاد حيوي مقاولاتي، منتج، متنوع ومبتكر وعلى خلق نسيج اقتصادي تنافسي قادر على امتصاص الأزمات ويستفيد من المزايا التنافسية العديدة لبلادنا ومن ثرواتها المادية واللامادية في جميع المناطق.

المغرب

الرأسمال البشري

تهدف توصيات التقرير إلى تثمين الرأسمال البشري وقدرات المواطنين والمواطنات كرافعة أساسية لضمان تكافئ الفرص والإدماج الإيجابي وتفعيل المواطنة وتحقيق الرفاه، وتعزيز حماية الفئات الهشة والتشبث بالتنوع والمساواة بين الرجل والمرأة وتكريس مكانة المرأة في الاقتصاد وداخل المجتمع، فضلا عن توسيع قاعدة التلاميذ المسجلين في السنة الأولى من التعليم الابتدائي والحاصلين على شهادة التعليم الأساسي العام والمهني، إلى جانب رفع نسبة الساكنة المشمولة بالتغطية الصحية والعلاجات الطبية الأساسية إلى 100 في المائة إلى حدود 2025، وتحسين الخدمات الصحية بالرفع من الأطر الصحية المعالجة و تحسين جودة المستشفيات العمومية وتعزيز بنياتها التحتية.

كما يكفل التقرير إلزامية إيلاء عناية خاصة بالشباب الذين يمثلون 25 في المائة من الساكنة، ويعتبرون مكسبا ديموغرافيا للبلاد.
الريادة الإقليمية

يدعم المغرب طموحه واثقا بمؤهلاته لتعزيز إشعاعه الإقليمي، بتصميمه على كسب خمسة رهانات مستقبلة جريئة ستجعل منه قطبا اقتصاديا ومركزا للمعرفة ضمن البلدان الأكثر دينامية وجاذبية على الصعيد الإقليمي والقاري، وتتمثل هذه الرهانات الخمسة فيما يلي، التحول نحو بلد رقمي حيث تعبأ القدرات التحويلية للتكنولوجيا الرقمية تعبئة كاملة، ثم الارتقاء كمركز جهوي في ميدان التعليم العالي والبحث العلمي، فضلا عن كسب الريادة الجهوية فيما يخص ذات الانبعاثات المنخفضة من الكربون، وكذا اكتساب مركز مرجعي كقطب مالي على المستوى القاري، إضافة إلى الارتقاء بعلامة “صنع في المغرب” كعلامة للجودة و التنافسية للتسريع في الاندماج في سلاسل القيمة العالمية والإقليمية.

 

الإعلان عن موعد أول رحلة عبر الخط البحري الرابط بين المغرب والبرتغال

مغرب مستدام

تعد استدامة الموارد والمحافظة على التنوع البيولوجي من مستلزمات مواجهة التحديات المرتبطة بالتغيرات المناخية والنشاط البشري، ويطمح التقرير السالف الذكر إلى تنزيل رؤية بيئية ضمن نموذج تنموي مستدام، من خلال اعتماد الاقتصاد البيئي ومراعاة الأبعاد المرتبطة بالتغيرات المناخية، ووضع أنماط إنتاج وتنظيم اجتماعي مبنية على قواعد تنمية مستدامة تستحضر مصالح الأجيال القادمة، وتضمن استدامة التنوع البيولوجي ولأنساق الطبيعية وحماية الثروات النباتية والحيوانية، بحين أن رهان الاستدامة يكرس المسؤولية الجماعية إزاء الرأسمال الطبيعي والمناخ، كخيرات جماعية واتجاه الأجيال القادمة.

كورونا وتنزيل النموذج التنموي

لا شك أن الأزمة الصحية “كورونا” والتي ثلتها انعكاسات اقتصادية واجتماعية كانت مناسبة للتأمل بالنسبة للجنة الوطنية للنموذج التنموي الجديد، لاستخلاص الدروس والعبر في مجال التنمية، لكونها تعكس بوضوح القطاعات الأساسية المشكلة لقوة ومناعة الدولة والمجتمع على حد سواء، كما شكلت الأزمة فرصة لإعادة النظر في السياسة الاقتصادية المبنية على التبعية والانفتاح الكلي للخارج، بهدف تقوية المناعة الذاتية للقطاع لتمكينه من مواجهة التقلبات الفجائية.

فالظرفية الاستثنائية الحالية المفروضة على بلادنا أكدت بشكل واضح وجلي ضرورة توسيع أوراش الإصلاح لتجاوز مكامن الخلل في قطاعات كانت تعاني، واتضح اليوم أكثر من أي وقت مضى حدة هذه المعاناة، فالرهان إذا لكسب مغرب جديد واعد على مستوى التنمية يقتضي النهوض بأكثر القطاعات حيوية من تعليم وصحة، فالأزمة الصحية جاءت لتعيد ترتيب أولويات الدولة وتخط الطريق أمام الأوراش التي ينبغي أن تنطلق منها لجنة النموذج التنموي.

مكتب الكهرباء

 

وجهة أخرى، يمكن اعتبار أن المغرب في عز تفشي الجائحة اختار رهان الرأسمال البشري من خلال مجموعة من التدابير المتخذة، حيث جرى تأجيل الحديث على الإقلاع الاقتصادي والنموذج التنموي، ذلك لأن أساس وقوام استمرار الدولة هي الشعوب، وكل سياسيات الدولة تروم بالأساس تحقيق مصالح مواطنيها دون غيرهم.

وفي هذا السياق، كان من الضروري على اللجنة إعادة النظر في الأوراش المنجزة قبل الجائحة، لتلائم نتائجها الظروف الحديثة المفروضة على المغرب على الصعيد الداخلي والخارجي، والتي أضحت تشكل اضطرابات خطيرة على النموذج التنموي، ما تطلب تعميق النقاش وإعادة ترتيب القطاعات وفق الأولويات المطروحة، مما أسفر عن تأجيل رفع اللجنة تصورها على أنظار جلالة الملك لمدة ستة أشهر بموافقة مسبقة منه.

وعلى الرغم من تداعيات الأزمة إلى أن المغرب قام بإطلاق مجموعة من الأوراش، التي يتطلع من خلالها إلى تحويل الإكراهات لفرص، خاصة وأن المملكة أمامها فرصة تاريخية لتكون سباقة للريادة في مجالات مختلفة في ظل انشغال باقي الدول بإنقاض شعوبها من الفيروس الفتاك.

ويرى مراقبون أن المغرب قادر وعازم على تنزيل مخططات تقرير النموذج التنموي على الرغم من تداعيات الأزمة الصحية، تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس، في استخلاص تام لكل الدروس والعبر لتنزيل النموذج التنموي المأمول

اترك هنا تعليقك على الموضوع