تأجيل الانتخابات..بين التحكيم والاستثناء

عبّر معنا كتب في 6 أغسطس، 2021 - 19:30
الانتخابات

سعيد سونا – باحث في الفكر المعاصر

 عكس باقي الدول العربية ، والافريقية ، التي تميزت بهشاشة وثيقتها الدستورية ، في التعامل مع مواطن ونوازل عديدة ، خصوصا أزمة كورونا ،  تميزت التدابير المعلنة لمواجهة فيروس كورونا في المغرب ، بطابعها الـمتدرج ذي النفس الاستباقي، المؤطر بنسق تواصلي لا تخطئه العين، كما أنها اتسمت بالحضور التنفيذي للملك، سواء بصفته أميرا للمؤمنين أو بصفته قائدا أعلى للقوات المسلحة، مستعينا بالنص الدستوري أحيانا، وبالأعراف الناشئة على ضفافه في أحايين أخرى، وبالرغم من أن الوباء فرض على السلطات اتخاذ قرارات حازمة، لا سيما تلك المتعلقة بتقييد حرية الأفراد في التنقل والحركة، إلا أن الممارسة طرحت إشكاليات بخصوص سندها الدستوري، خصوصا ما يتعلق منها بإعلان حالة الطوارئ الصحية، حيث كان التأطير القانونـي لاحقا لعملية الشروع في تنفيذها عمليا .
لكن يبدو أن السلطات المغربية لا تمتلك الكثير من الخيارات في حالة تفاقم الوضع أكثر، وتلازمها مع استحقاق دستوري مهم ، كالانتخابات القادمة ، والتي تسائل مع جاهزية المواد الدستورية ، لاضفاء طابع الشرعية على اي توجه تتبناه الدولة ، لهذا لم يبقى للدولة سوى خياران فقط: إعلان حالة الاستثناء أو حالة الحصار ، على اعتبار أن ترجيح كفة اللجوء إلى مادة التحكيم الملكي تبدو مستبعدة، لعدم توفر النازلة على شروط اللجوء للملك ، لأن المؤسسات في حالة مستقرة ….. منطوق الفصل 42 ” الملك، رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، يسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي، وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات، وعلى احترام التعهدات الدولية للمملكة ” .

فالدولة مجبرة في حالة تأجيل الانتخابات ، بالنظر الى انعدام شروط سلامتها… إلى التوجه مباشرة إلى مادة الاستثناء أو الحصار :

أ : حالة الاستثناء

      ربط دستور 2011 إعلان حالة الاستثناء من طرف الملك بظهير، بتحقق أحد الشرطين: أن تكون حوزة التراب الوطني مهددة، أو أن يقع من الأحداث ما يعرقل السير العادي للمؤسسات الدستورية، على أن تتم استشارة رئيس الحكومة ورئيسي مجلسي البرلمان، ورئيس المحكمة الدستورية، وتوجيه خطاب للأمة. وترفع حالة الاستثناء باتخاذ الإجراءات الشكلية المقررة لإعلانها.
غير أن الملك لـم يلجأ إلى إعلان حالة الاستثناء رغم الأعداد المقلقة للمصابين، الأمر الذي يحمل على التساؤل: ألا يجعل انتشار فيروس قاتل، نتج عنه شبه شلل على مستوى الحركة العامة، حوزة التراب الوطني مهددة؟ ثـم هل يفهم من عبارة “تهديد حوزة التراب الوطني” الواردة في الفصل 59 من الدستور، في حالة التعرض لهجوم عسكري بمعناه التقليدي فقط؟
الراجح أن دستور 2011، يستبطن مفهوما تقليديا للتهديد الـمحتمل أن يطال حوزة التراب الوطني، في ظل تنامي الحديث عن أشكال أخرى من التهديدات، التي قد تأخذ أبعادا تكنولوجيا، أو وبائية، كما هو الحال مع فيروس كورونا المستجد.
بالعودة إلى معاجم اللغة العربية، نجدها تفيد في شرح اسم عرقلة، كما ورد في الفصل 59 من الدستور، أنه ما يـحول دون السير الطبيعي من ازدحام ونحوه، وأن العراقيل هي صعاب الأمور والمشاكل والدواهي، وإذا كانت من خصوصية فيروس كورونا المستجد فهي قدرته على الحيلولة دون اجتماع الناس في مكان مغلق، خصوصا إذا تجاوز عدد الحضور أصابع اليد.
وبالنظر إلى أن عرقلة السير العادي للمؤسسات الدستورية يعد شرطا واقفا لإعلان حالة الاستثناء، فإن مؤسستي الحكومة والبرلمان قد تأثرتا بانتشار الوباء، والشاهد على ذلك تواتر عدد من المتابعات الإعلامية التي كشفت عن تسيير أعضاء الحكومة لقطاعاتهم من المنازل[15]، لكن ذلك لـم يحل دون استمرار مجلس الحكومة في الانعقاد باضطراد[16]، رغم إصابة عضو من أعضائها بالفيروس، الأمر الذي تطلب إخضاع أعضاء الحكومة جميعهم لاختبار الإصابة بالفيروس، وهو ما أسفر عن خلوهم منه. ثـم في حالة استمرار الوضعية الوبائية فإنه يصعب تصور انعقاد جلساته العمومية في مثل هذه الظروف، لكن رغم كل ذلك لـم يتم اللجوء إلى إعلان حالة الاستثناء.

ب :حالة الحصار :

في المقابل، يمكن إعلان حالة الحصار بموجب أحكام الفصل 74 من الدستور، لمدة ثلاثين يوما، بمقتضى ظهير يوقعه بالعطف رئيس الحكومة، ولا يمكن تمديد هذا الأجل إلا بقانون، ويعتبر إعلان حالة الحصار من بين القضايا التي يتداول بشأنها في المجلس الوزاري، بموجب البند الثامن من الفصل 49 من الدستور. غير أنه إذا كانت الفقرة الأخيرة من الفصل 59 من الدستور تنص على أن “تبقى الحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في هذا الدستور مضمونة”، خلال فترة إعلان حالة الاستثناء، فإنه لا يوجد ما يماثل هذا المقتضى خلال إعلان حالة الحصار.
يشترك إعلان حالة الاستثناء مع إعلان حالة الحصار، في أنهما وردا في صيغة الإمكان، وليس في صيغة الوجوب، فالفصل 59 من الدستور نص على صيغة “أمكن للملك أن يعلن حالة الاستثناء بظهير”، فيما الفصل 74 من الدستور نص على أنه “يمكن الإعلان لمدة ثلاثين يوما عن حالة الحصار”. لكنهما يتميزان من حيث اللفظ عن حالة الحرب، بأن هذه الأخيرة يتم إشهارها، لأن الفصل 99 من الدستور ينص على أنه “يتم اتخاذ قرار إشهار الحرب داخل المجلس الوزاري”، لكن حالة الاستثناء تتميز بأنها غير محددة من حيث المدة، فهي ترفع “بمجرد انتفاء الأسباب التي دعت إليها”، وهو الأمر الذي يبقى بيد الجهة التي أعلنتها ابتداءً، فيما حالة الحصار فهي محددة في ثلاثين يوما، ويمكن تمديد هذا الأجل بقانون.

فبعد بسط كل هذا الزخم من المعطيات الدستورية، التي يمكن الارتكان إليها، في حالة وصول البلاد إلى حالة ” الخطر الصحي ” فإن البعض يستحضر الأبعاد الماكرو سياسة في حالة تفعيل حالتي الاستثناء والحصار، حيث يستدعى عامل سمعة المملكة عند الخارج ، على أساس تصنيفها في خانة الدولة القوية ، التي نجحت في التصدي بمختلف قواها ، لأي خطر داهم ، وبالتالي قد تلجأ الدولة للحفاظ على رصيدها في هذا الباب ، وعدم تصدير صورة المغرب الهش والمتهالك، الذي فشل في احتواء فيروس كورونا ، مما يعطي الانطباع أن المغرب في حالة أزمة، وهو المعطى الذي سيدفع المملكة إلى إجراء الانتخابات في وقتها ، مع اجتهادات طبية تتلاءم مع طقوس الانتخابات….

اترك هنا تعليقك على الموضوع