” سعد الدين العثماني…حكاية رئيس حكومة مغربي”سقط” من التاريخ بقلم مولاي التهامي بهطاط

عبّر معنا كتب في 16 سبتمبر، 2021 - 12:15
العثماني

قبل سنوات، نشر موقع “بي بي سي” على شبكة الانترنيت، مقالا تحت عنوان: “بن عرفة.. حكاية سلطان مغربي “سقط” من التاريخ” تتبع فيه مسار هذا الرجل الذي توهم -أو تم إيهامه- بأنه يمكن دخول البيوت من غير أبوابها، فانتهى به الأمر “لاجئا” في فرنسا، بل حتى بعد وفاته سنة 1976 بمدينة نيس، رفض الحسن الثاني التماس عائلته بدفنه في المغرب وعلق قائلا: “واخا نبغي أنا، أرض المغرب غادي ترفضو”، وعندما لان قلب العاهل الراحل بعد أكثر من عقد كامل، وغيّر موقفه المتصلب هذا، تكفل وزيره القوي يومها، إدريس البصري، بنقل رفات بن عرفة ليدفن في قبر مجهول بإحدى مقابر فاس حيث لم توضع أي إشارة على هذا القبر تعرف بصاحبه.

فهل كانت مجرد مصادفة أن يكون أول لقب لسعد الدين العثماني، بعد انقلابه على صانعه ورفيق دربه وولي نعمته بن كيران، هو لقب “بن عرفة”؟

من مكر التاريخ أن مصير بن عرفة الأصلي والنسخة، يتشابه إلى حد التطابق، لكنه إذا كان الموت الجسدي في المنفى والدفن في قبر مجهول مصير بن عرفة السلطان، فإن الإعدام السياسي والقبر المجهول في دفاتر السياسة كان هو مصير بن عرفة العدالة والتنمية.

وللوصول إلى هذه الخلاصة، لنتتبع المراحل التي قادت إليها..

هل يستطيع أحد أن يدعي أنه كان يتوقع النتيجة التي سجلها حزب العدالة والتنمية في الانتخابات العامة التي جرت مؤخرا؟

أظن أن أكثر المتفائلين أو المتشائمين -حسب الموقف والموقع من هذا الحزب- كان يراهن على تراجع عدد المقاعد بين 25 و50 مقعدا، وفقط بسبب التعديلات “التقنية” التي تم إدخالها على القوانين الانتخابية، إلى جانب العوامل الأخرى (المال وتدخل الإدارة) التي قد يكون تأثيرها ثانويا.

نتائج الانتخابات

غير أن الأرقام لا تكذب، ومن المستحيل أن يكون سبب هذه “النكبة” هو فقط ما ذكر أعلاه.

فالقوانين الانتخابية مهما كانت مفصلة بدقة واحترافية، لا يمكنها أن تصمد أمام إرادة الناخبين، وقد اتضح ذلك جليا في أكثر من محطة، كما حدث سنة 1977 عندما تم اللجوء إلى التزوير العام والمباشر حين حصل الاتحاد الاشتراكي في الحقيقة على أكثر من نصف مقاعد مجلس النواب يومها، فتم إسقاط الراحل بوعبيد (الانتخاب المباشر) في معقله الانتخابي، قبل انتشاله لاحقا ضمن الثلث الناجي (الانتخاب غير المباشر) كاستعراض للعضلات “المخزنية”، وكما حصل لاحقا في 2016، عندما لم تمنع كل “التخريجات” من اكتساح حزب بن كيران، وإن كانت قد حالت دون حصوله على الأغلبية المطلقة.

أما تدخل الإدارة فهو أيضا، وإن كان عاملا حاضرا إلا أنه لا يمكنه أن يؤثر بشكل كبير في الاتجاه العام للانتخابات ونتائجها.

ونفس الشيء يمكن أن يقال عن “المال الانتخابي” الذي اتضح -خاصة في استحقاقات 2016- أنه لم يعد له تأثيره الحاسم، في ظل تنامي ظاهرة “التصويت السياسي”.

إن السبب الرئيسي في ما حدث هو أن الحزب دفع ثمن تمسك “الإخوان” بالمصالح الخاصة وتفريطهم في رأس المال الحقيقي للحزب، والقائم على ثقة جزء من الشارع.

فمن المسلمات التي عرتها الاستحقاقات الأخيرة، سقوط فكرة “الكتلة الناخبة الثابتة” التي كان البعض يروج لها، بل والتي كان اقتناع “الإخوان” بها أحد أهم أسباب نكبتهم ونكستهم.

العثماني

فعلى مدى أكثر من عقد من الزمن، ظل كثير من “الخبراء” و”المحللين” يرددون هذا المقولة، بمعنى أن هناك حوالي مليون ناخب يصوتون تلقائيا ودون تفكير، لمرشحي هذا الحزب، إلى درجة إطلاق كثير من التوصيفات القدحية على هذه الفئة، مع أن المتابع الموضوعي للأحداث يدرك أن هذه الكتلة ليست ثابتة ولا موحدة، وأنها خليط غير متجانس، حيث هناك فعلا مكون محافظ، إلى جانب مكون كبير من الطبقة الوسطى التي لها تصور سياسي وانتخابي مبني على فهمها للواقع وتحدياته، وقد انضاف إلى هذين المكونين رافد ثالث في استحقاقات 2016 ضم كثيرا من أصحاب التوجهات الديموقراطية واليسارية والليبرالية التي رأت في دعم هذا الحزب، مؤقتا، محاولة لفرملة توجه “الدولة” نحو فرض حزب الاصالة والمعاصرة كأداة للتراجع عن المكتسبات القليلة التي حملها “الربيع العربي” في نسخته المغربية.

ولهذا كان من باب الخطإ الفادح، الاعتقاد بأن الحزب سيحصل على الأقل على أصوات هذه الكتلة، كحد أدنى، وهو ما تسبب في تراخ كبير في الاستعداد للانتخابات، بل لم يتم حتى أخذ عنصر غياب بن كيران عن المشهد بعين الاعتبار.

فلا أحد يستطيع أن يشكك في أن كثيرا جدا من الناخبين صوتوا خلال الاستحقاقات السابقة لبن كيران وخطابه، وليس للحزب ولا لبرنامجه ولا لمرشحيه.

وهذا التراخي دفع العثماني نفسه ثمنه عندما فشل في الحصول على مقعد في دائرة حصد فيها حزبه سنة 2016 ثلاثة مقاعد من أصل أربعة.

لكن كل هذه العوامل تظل ثانوية ولا يمكنها وحدها تفسير الهزيمة المنكرة، العامة والشاملة، التي مني بها الحزب، بل هناك عاملان رئيسيان:

أولهما، تفريط الحزب في رصيد الثقة الشعبي الذي توفر له بعد الاستحقاقات السابقة، حيث لاحظ الجميع كيف أن العثماني مدعوما بما سمي في حينه “تيار الاستوزار”، قدم ما لا يحصى من التنازلات، بل بدا وكأن الحزب خسر الانتخابات ولم يربحها، وكل ذلك بسبب الحرص على الكراسي، فضلا ربما عن “العامل النفسي” المتمثل في رغبة شخصية دفينة في الانتقام من بن كيران بسبب إقصائه للعثماني من تركيبة حكومة 2013.

الملك والعثماني

فحتى لو افترضنا أن الحزب خاف يومها من “تخريجة” دستورية قد تقود إلى “تأويل” الفصل 47 بطريقة “غير دستورية”، فإن المبتدئين في علم السياسة يدركون أن الحزب كان في موقع تفاوضي أقوى، خاصة وأن الأمر لا تتحكم فيه فقط عوامل “داخلية”، بل “خارجية” أيضا، وربما بشكل أقوى.

فهل كان الإخوان يتوقعون أن “يتفهم” الناخبون كيف أنهم تهافتوا على القليل من الحقائب الوزارية، وساهموا في الإجهاز على ما تبقى من مكتسبات دستور 2011؟

وهل ظنوا أن الرأي العام سيتفهم مسارعتهم لدفع بن كيران نحو الهامش بسرعة البرق، ودون مقابل؟

وثانيهما، أن مسلسل التنازلات لم يقف عند حد التضحية بمخرجات صناديق الاقتراع، بل طال حتى بعض المواقف “المبدئية” التي صنعت جزء من الرأسمال السياسي والشعبي للحزب.

قد يبرر كثيرون توقيع العثماني على الاتفاق الثلاثي، لأن كل ثمن يهون مقابل للحصول على اعتراف أمريكا بمغربية الصحراء، لكن إصراره على تمرير مشاريع وقرارات تتناقض تماما مع ما تريده شرائح واسعة في المجتمع، من قبيل العودة لفرنسة التعليم وشرعنة زراعة القنب الهندي مثلا، أدى في النهاية إلى رسم صورة سلبية عن رئيس الحكومة، الذي فشل حتى في الحفاظ على الحدود النسبية التي رسمها سلفه، والتي أعادت الاعتبار لهذا المنصب الذي عادة ما كانت تشغله شخصيات “لا تهش ولا تنش” باستثناء الراحل عبد الرحمان اليوسفي، إذا اقتصرنا على العقدين الأخيرين من التاريخ البرلماني للمغرب.

لقد نسي العثماني أن بن كيران رفع السقف شيئا ما، وأن الرأي العام لم يكن ليقبل بوجود رئيس حكومة ليس له سوى دور بروتوكولي يتكرر كل خميس خلال المجالس الحكومية، أو خلال بعض الأنشطة الرسمية…

كما نسي العثماني -وهذا هو الأهم- أن التواصل مع الشعب، ومع قواعد الحزب تحديدا، بشكل دائم ومباشر، هو أمر لابد منه، إذا كانت هناك إرادة للحفاظ على الكتلة الناخبة، لهذا فقدت جلسات المساءلة الشهرية أمام البرلمان بريقها، لأن رئيس الحكومة نسي أن علم “السياسة” له قواعده وأدواته المختلفة تماما عن قواعد وأدوات علم “النفس”..

والآن، لنعد إلى قصة “بن عرفة”، لنختم هذه الوقفة القصيرة بما يبرر عنوانها.

يتذكر الجميع أن السبب في إلصاق هذا اللقب بالعثماني، هو الرميد الذي علق على ترشيح البعض له لرئاسة الحكومة بعد إعفاء بن كيران بأنه لن يؤدي دور “بن عرفة”، وهو التعبير الذي سرعان ما وجد رواجا كبيرا في مختلف الأوساط بسبب الحمولة التاريخية والدلالية الكبيرتين لهذا اللقب لدى المغاربة.

وهكذا التصقت الصفة بالعثماني مباشرة بعد قبوله بهذه “المهمة”، بل وإنجازه لها بأكثر الشروط إجحافا في حق حزبه وفي حق المكتسبات الحقوقية والدستورية والديموقراطية القليلة التي تحققت بعد حراك 20 فبراير، بشكل لا يفسره سوى الحرص على المكاسب الشخصية، تحت غطاء مصلحة الوطن، والحال أن هذه المصلحة تتحقق فعلا عبر التمسك بتنزيل النصوص الدستورية وترسيخ المبادئ الديموقراطية.

فماذا حصد العثماني و”تيار الاستوزار” من هذه المغامرة؟

مصير “بن عرفة” الجديد، أشرت إليه أعلاه، أي نهاية سياسية غير مشرفة، ودفن على هامش صفحات التاريخ الحزبي والانتخابي..

أما مصير الرباح وبقية شلة الانتهازيين، فلن يكون أفضل من مصير الـ 270 انتهازيا الذين بايعوا بن عرفة، وعلى رأسهم عبد الحي الكتاني الذي مات مشردا، والكلاوي الذي خلد التاريخ صورته وهو جاث على ركبتيه يقبل قدم المغفور له محمد الخامس.

اترك هنا تعليقك على الموضوع