العدل و الإحسان بين التدليس الحقوقي و تسييس الإرهاب

محمد بالي ـ عبّر 

 

الفرق بين النظرية والتطبيق يتجلى اليوم في الخطاب الجديد الذي يمتهنه بعض الفاعلين في تنظيم العدل والإحسان وبشكل خاص يتجلى في الأساليب الجديدة التي يستعملها أعضاؤهم في التشويش على المهام والجهود التي تبدل في ملف الإرهاب، حيث تحاول العدل والإحسان من خلال بعض من الفاعلين العدلويين اختراق الإجماع المغربي ضد الإرهاب ويستعملون في سبيل ذلك خطابا حقوقيا وقانونيا تضليليا.

 

ومع أن العدل والإحسان منذ تأسيسها على يد زعيمها الشيخ عبد السلام يسين، وهي تدعو إلى الخلافة، فإن تنظيم العدلاويين يتحدث اليوم عن دولة القانون والحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان، وهي المبادئ التي اعتبرها التنظيم من المبادئ الجاهلية التي ناضل ضدها في الساحة الطلابية وفي مجالس التربية الخاصة.

 

المخطط الجديد للعدل والإحسان بعد وفاة الشيخ هو اختراق المجال الحقوقي والنقابي والدفاع عن أجندة العدل والإحسان بالحيل والتخريجات القانونية، تؤكد مقالة حسن بناجح المحامي من تنظيم العدل والإحسان في مقاله: “جريمة إمليل..قراءة أخرى”، على هذا النوع من التشويش الذي يقوم به تنظيم العدل والحسان الذي يعتبر كل جريمة تقع في المغرب لها أسباب سياسية.

 

ويحاول بناجح أن “يغمق” على القارئ بأنه يتحدث لغة القانون والحقوق ولكنه مثلما يفعل تنظيمه دائما يوسيّسون الحقوق بل ويوسيسون الجريمة ويخلطون بين معارضتهم السياسية المتقلبة وبين المهام الوطنية التي تقوم بها الدولة وهي مهام يمكن أن تقوم بها حتى حكومة تصريف أعمال.

 

ولا يشكّ أي فاعل سياسي حقيقي أن أسوأ أنواع المعارضة هي تلك التي تحوّل منجزات النظام إلى تهمة وكأنها جماعة تحسد الدولة على إنجازاتها.

 

وتقوم جماعة العدل والإحسان بكل هذه المناورات التي تبدو في ظاهرها حقوقية غير أنها مناورات لاستباق أي تورط لها أمني في المستقبل لاسيما وأن تنظيم العدل والإحسان معروف عليه تحريضه على الجهاد في مناطق التوتر وارتباطه بشبكات دعم الإرهاب وبعض أعضائه ساندوا الإرهاب وتضامنوا معه، وكمثال على ذلك مطرب العدل والإحسان رشيد غلام الذي زار النصرة في شمال سوريا قبل سنوات.

 

تتميز مناورات العدل والإحسان في مجال النقاش القانوني والحقوقي بالضعف والتناقض لأنهم يستعملون أسلوب حشد العبارات القانونية من دون فقه قانوني. يقول بناجح بأنهم ضد الإرهاب وضد استغلال الإرهاب، غير أنّ ما حصل بإمليل حتى الآن هو في إطار التحقيق، وليس هناك إلا حديث عن إلقاء القبض على الإرهابيين.

 

لم يحدث في المغرب شيء لم يحصل في العالم كله حينما يتم إلقاء القبض على إرهابيين، فالمسطرة ماضية ولا أحد استغل الإرهاب إلا إذا اعتبرنا أن نقل الخبر في الصحافة هو نوع من الاستغلال.

 

يريد حسن بناجح أن يتم القبض على إرهابيين ذبحوا سائحتين في صمت وأن لا يكون هناك أي نقل للخبر، وهذا يعني أن المتهم في كل هذا ليس الأمن وحده الذي ألقى القبض على الإرهابيين بل حتى على المواطنين الذين تنالوا الخبر في وسائل التواصل الاجتماعي وحتى الإعلام الذي نقل الخبر، والغريب أن بناجح يقول ببلادة قانونية: “وها قد مر ما يكفي من الوقت للاطمئنان على انتشار هذه الروح بين الشعب، فقد آن الأوان ليعلي الجميع الصوت بنفس قوة الإدانة لرفض استغلال الحدث من أي جهة كانت تروم المتاجرة وبث روح الكراهية والانقسام والانتقام بين أبناء الشعب”.

 

إن الزمن القانوني الذي طرحه بناجح لكي نطمئن على روح الشعب وموقفه من الإرهاب هو أقصر من زمن المساطر القانونية، مع العلم أن استنفار الشعب ضد الإرهاب هو عمل دائم لا يتوقف في كل دول العالم ولا علاقة له بباقي السياسات الأخرى، هذا الخلط الذي يعطي الإرهاب فرصة التستر بالعوامل السياسية والاجتماعية التضليلية التي أصبح تنظيم العدل والإحسان يستغلها لما يخطط له في المستقبل، يستهين بناجح بجريمة ذبح السائحتين ويقدم مقارنة خطيرة لتبرير الاستهانة بهذه الجريمة الإرهابية حينما يقول: ” كما يفعل البعض مع كل حدث على الرغم من قلتهم وسط المجتمع، لكن وجب الوعي بخطورة مسعاهم في ضرب لحمة المجتمع بشكل لا يقل بشاعة عن جرم قتل السائحتين”.

 

 

ويستعمل بناجح قرينة البراءة في غير محلها حين يقول أيضا:
“وبنفس الدرجة وجب المطالبة والحرص على ضرورة خضوع المقاربة الأمنية لضوابط القانون والحقوق واحترام قرينة البراءة، وعدم التسليم المطلق بما يخرج من أقبية الكوميساريات وألا تتجاوز كونها محاضر أولية أعطت التجربة في عدة ملفات بُعدها عن معايير الحق والقانون واستغلالها الأحداث لبسط المقاربة الأمنية التي توسع قاعدة الشبهة بدون حدود فتعتقل الأفواج بجريرة الواحد، وتسرب، وتفصل الحكم قبل الوصول إلى المحكمة”.

 

 

تكون الأولوية للمقاربة الأمنية أمام أي فعل إجرامي آني وواقعي فهذا من التدابير الأمنية في كل دول العالم بما في ذلك الدول الأكثر ديمقراطية في العالم، فالقبض على إرهابيين متلبسين بالجرم المشهود لا يعتبر مقاربة أمنية تستبعد قرينة البراءة، ولا يمكن أن يقوم الأمن بمنع وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي من تداول خبر ذبح سائحتين من قبل إرهابيين ضبطوا متلبسين واعترفوا في بدايات التحقيق بمسؤوليتهم عن الجريمة، هذا في الوقت الذي لا يمكن الحديث عن قرينة البراءة إلاّ شكليا حينما يتعلق الأمر بفعل إرهابي تسرب خبره للناس لأن الجريمة ارتكبت في المجتمع، وتبقى قرينة البراءة من لوازم المسطرة وهذا ما يحصل اليوم حيث لا زالوا على الرغم من اعترافاتهم تحت طائلة التحقيق في انتظار جلسة المحاكمة.

 

ويضرب بناجح مثالا بأحداث 16 ماي، وكأنها خطيئة بينما تبين أن شيوخ السلفية الجهادية كانوا متورطين في دعم الإرهاب ولهم مسؤولية معنوية في تلك الأحداث مثلما لتنظيم العدل والإحسان مسؤولية معنوية على من يقوم اليوم بالإرهاب بسبب إعطاء مبرر للإرهاب عن طريق المناورات القانونية والحقوقية أو إقحام العوامل الاجتماعية كسبب رئيسي في الفعل الجرمي.

 

و على هذا الأساس أصبح من الواجب التخلّي عن معاقبة أي فعل جرمي حتى يصبح معدل دخل الفرد في المغرب يشبه معدل دخل الفرد في سويسرا، مع أنّ في سويسرا توجد متابعات ضد الجريمة بل إن الشخص الذي تم القبض عليه والمتهم بصلته بالإرهابيين هو مواطن من أصل سويسري وأن الناطقة باسم الأمن السويسري صرحت بخلفيته وسوابقه وأعربت عن أنها تتعاون مع الأمن المغربي في هذا الإطار.

 

يحاول بناجح وهو يناور بخطاب حقوقي مليء بالتناقضات أن يستشهد بما سماه “اعتراف الملك سنة 2005 بوجود خروقات شابت كثيرا من الملفات في حواره مع الإيلبايس الإسبانية”.

 

لقد قام المغرب بتدبير أزماته بما في ذلك الخروقات التي لم تكن هي أصل المقاربة الأمنية بل هي أخطاء تنتابه أي عملية أمنية واسعة، وبما أن المقاربة الأمنية في المغرب ليست وحيدة فقد اعتبر الاعتراف ببعض الخروقات التي تنتاب أي ملف أمني أمرا طبيعيا حين يتم تداركه بتدابير حقيقية. الاعتراف هنا هو أن العملية الأمنية ليست عمياء ولكنها تترصد كل الأخطاء التي يمكن أن تقع في عملية احتواء الجريمة، غير أن بناجح يريد المناورة بهذه العبارة ليجعلها تخطيئا للعملية الأمنية وجوهر المقاربة.

 

إن الكراهية التي يتحدث عنها السيد بناجح، هي نفسها الكراهية التي يسعى هذا الخطاب الغارق في المناورة إلى بثها لإيجاد شرخ بين الأمن والمجتمع في مواجهة أي فعل إجرامي، وقد قام هذا التنظيم منذ نشأته حتى اليوم بنشر الكراهية بين المواطنين من جهة وبين المجتمع والدولة من جهة أخرى، وفي السياق نفسه يتحدث بناجح عن “قضاء الشارع” ويقول:”لا عاقل يمكن أن يقبل قضاء الشارع، لكن كثيرين ممن كانوا يتزعمون الدعوات الرافضة لأن يمنح أي كان لنفسه أنه “يدير شرع يدو”، نجد عددا منهم اليوم جمّد عقله ويريد للمجتمع كاملا أن يحنط عقله، ثم “يعمل شرع يديه ورجليه”..

 

هناك خلط عجيب وقع فيه بناجح لأنّ ما يجري في الشارع ليس قضاء بل نقاش طبيعي في وسائل التواصل الاجتماعي عن إرهابيين ذبحوا سائحتين بطريقة بشعة. لا أحد “دار شرع يدو”، ومثل هذا يحصل في كل المجتمعات، وهل الأمن مسؤول عن النقاش الذي يجري في المجتمع؟

 

والغريب وببلادة أيضا يحاول بناجح أن يطبق قرينة البراءة على حديث الناس حول فعل إجرامي، ويعتبر أن زيادة الناس في الأخبار مناقض لقرينة البراءة مع أنها كما قلنا ملزمة في مسار التحقيق والمحاكمة وليس ملزمة في حديث الناس عن الجريمة، فبناجح يدين المجتمع أيضا لأنه تلقف رواية وناقشها بطريقته التي يتناول بها المجتمع الأخبار. وكنا ننتظر من بناجح أن يدافع بالقدر نفسه عن الحادثة التي تعرض لها شخص مثلي بمراكش وعن قرينة البراءة ويقول كما قال هنا:”جريمة قتل السائحتين كانت اختبارا كاشفا للمبادئ من المزاعم والادعاءات، ورأينا كيف أن البعض نصبوا أنفسهم قضاة لا نقض ولا إبرام بعد حكمهم، يتلقفون الروايات الأمنية ويزيدون فيها وينسجون حولها كل ما لا يخطر على أكثر الأخيلة مرضا وبؤسا، ألغوا قرينة البراءة، لم يرعوا ذمة ولا خلقا في العائلات حتى أن بعضهم زاد إلى الترويع الأمني للعائلات ترويعا آخر باستدراجهم لاستصدار تصريحات تتوافق والخيال المريض للمستدرج (بكسر الراء)”.

 

إن المطالبة بالقضاء المستقل خدعة لأنهم هم أول من يحارب القضاء حين يقوم بدوره كسلطة مستقلة. فالقضاء يصبح غير مستقل إذا تناول ملفاتهم، ويبدو أن بناجح مطمئن لبراءة الإرهابيين الذين ذبحوا السائحتين، لأن السؤال الذي طرحه على غيره كان عليه أن يطرحه على نفسه هل هناك ما يكفي من أغطية يواري بها بناجح وتنظيمه الداعم للإرهاب بالمناورات الحقوقية حين تظهر حقيقة هذا الملف والتهديد والمخطط الذي كان يرمي إليه؟

 

وبعد المناورة الحقوقية يحاول بناجح أن يعود إلى المناورة الأيديولوجية لجماعته وهي : من المسؤول؟ ويرى أن التفسيرات تجتمع في سببن: ديني واقتصادي، ولكن في نظره أن التهمة دائما تأتي بواسطة رد السبب للمسبب أي للإسلام السياسي. ويتساءل بناجح:
” من يحتكر تدبير الشأن الديني ويمنع جميع الفاعلين من التدخل؟ من يقمع الحركات الإسلامية المعتدلة في رغبة مباشرة وصريحة لدفع الشباب إلى التطرف؟ من قتل دور المسجد وجعله أقرب إلى مقاطعة أمنية منه إلى الإرشاد والتربية والتوعية؟ من من من؟ أليس ما يقدم من أرقام تفكيك الخلايا على أنه منجزات هو في ذاته أكبر دليل على فشل كل السياسات والبرامج الدينية الرسمية؟”.

 

يعزو بناجح السبب إلى قتل المساجد من الإرشاد والتربية، ويقصد به التربية والإرشاد على طريقة تنظيم العدل والإحسان أي تحويل المساجد إلى مجال للاستقطاب واحتلالها من قبل التنظيمات الإرهابية. ويتجاهل بناجح أن الإرهاب في كثير من البلاد العربية خرج من المساجد التي احتلتها جماعات تشبه العدل والإحسان. ألم يكن شيوخ السلفية الجهادية المتورطين في أحداث 16 ماي يؤمون الناس بالمساجد ويقدمون دروسا بالمساجد؟ ويتجلى خلط الأوراق هنا واضحا لأن الدولة لا تسيطر على الحقل الدين إلا رسميا أما من يتغلغل في المجتمع هي التنظيمات المتطرفة التي تقاطع المساجد وتبني لها مشروعها خارج المسجد ومنهم تنظيم العدل والإحسان الذي يسيطر على شريحة من المجتمع وهو مسؤول عن خطاب الكراهية.

 

و تتجلى الخدعة الكبيرة هنا في محاولة بناجح ربط ملف ذبح السائحتين بالنقاش الخاص بالسياسة الاقتصادية للحكومة وهو نقاش دائم ومشروع ولكنه لا يبرر الإرهاب الذي تقوم به فروع داعش في المغرب، فالإرهاب إرهاب والجريمة جريمة ومحاولة التغطية على ذلك والتخفيف من بشاعته هو في حد ذاته فعل إرهابي من نوع آخر.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
إغلاق