‪ ‪

الإغتراب يفرغ الديربي من محتواه

التجنيد

محمد أتكدار ـ عبّــر

 

كثيرا ما كانت مباراة الديربي بين قطبي مدينة الدار البيضاء، الرجاء والوداد، بمثابة الواجهة التسويقية للبطولة الإحترافية المغربية، وكثيرا ما أدت هذه المباراة دورها على أكمل وجه، مقدمة بذلك نفسها لعشاق الديربيات العالمية، في صورة أقل ما يقال عنها أنها جميلة، خاصة إذا استحضرنا الجانب المتعلق بالجماهير، التي تؤثت فضاء المركب الرياضي محمد الخامس بالدار البيضاء، وتسهر طيلة دقائق اللقاء، على إخراج لوحات فنية عنوانها الإبداع، هدفها الأسمى في ذلك، إعلاء راية الديربي المغربي فوق سماء العالمية، وإدخاله ضمن خانة الكبار.

 

لكنه من تابع فصول وحكايات الديربي المغربي في السنوات الأخيرة، سيدرك جيدا حجم التغيير الذي طرأ على معالمه الأساسية بشكل كبير، وأخرجه من تحت عباءة الحضور الجماهيري القياسي، الذي يشكل عادة مقياسا حقيقيا لتحديد درجة نجاحه، حتى وإن كان المستوى التقني والتكتيكي على أرضية الميدان متوسطا، ذلك أن جماهير الرجاء والوداد، تتفنن في صناعة الفرجة داخل المدرجات، من خلال طريقة خاصة في التشجيع، تعتمد بالأساس على ألوان موحدة، وتيفوهات عالمية، وأهازيج إستثنائية، تبهر الصغير قبل الكبير، وتنقل صورة إبداعية متميزة عن البطولة المغربية ووجهها المضيء، ودائما ما يصل صداها للعالمية، بحكم المواكبة الإعلامية الوطنية والدولية، التي تحظى بها مباراة الديربي بين الغريمين التقليديين الرجاء والوداد.

 

رياح التغيير التي هبت على الديربي المغربي، وأفقدته جزءا من خصوصياته، يعزى سببها إلى الإغتراب الذي يعيشه لقاء الرجاء والوداد في كل موسم، بفعل قرارات ارتجالية وغريبة للشركة المكلفة بتدبير شؤون المركب الرياضي محمد الخامس بمدينة الدار البيضاء، والمتمثلة في الإغلاق المتكرر، لهذا الملعب قصد الترميم وإعادة التهيئة، ما يدفع بلجنة البرمجة التابعة للعصبة الوطنية لكرة القدم الإحترافية، إلى نقله خارج الديار في أكثر من مرة، دون مراعاة لمصالح قطبي مدينة الدار البيضاء الرجاء والوداد، اللذان يكبدان عناء الترحال والتنقل بين ربوع المملكة، لإجراء مباراة الديربي بعيدا عن الأنصار، فضلا عن الأموال الطائلة التي تغيب عن خزائنهما حين يجرى اللقاء خارج العاصمة الإقتصادية للمملكة، وفوق كل هذا، التلاعب بسلامة الجماهير، التي تقطع المسافات بغية التشجيع.

 

ليس هناك ما يدع مجالا للشك، بأن الإغتراب هو السبب الرئيسي في قتل الفرجة، التي كانت إلى وقت قريب تطبع أجواء الديربي المغربي، بل وتميزه عن غيره من المباريات الأخرى، سيما أنه وجد لنفسه إسما ضمن لائحة عشر أفضل ديربيات عبر العالم، بحكم إبداعات الجماهير المساندة لفريقي الرجاء والوداد، في إنجاز يؤكد بالملموس مدى قدرة الجماهير المغربية في رفع التحديات، من أجل تسويق صورة حضارية عن المدرجات، ومحاولة إصلاح ما أفسدته أعمال الشغب والانفلاتات الخطيرة، التي تقع بين الفينة والأخرى في لقاءات الديربي، كون أن هناك فئة واسعة من الجماهير المتعصبة لفريقها أكثر من اللازم، وهو أمر مرفوض في عالم كرة القدم، لأن الروح الرياضية تبقى فوق كل إعتبار، بغض النظر عن النتيجة النهائية للمقابلة.

 

 

لو كانت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، تفكر بمنطق التسويق الإحترافي للبطولة المغربية، لما تركت لقاء الديربي يتعرض لأنواع النفي القسري وأشكال التأجيل في كل موسم، حتى فقد الكثير من بريقه، وأسال العرق البارد لجماهيره، التي عبرت عن سخطها في أكثر من مناسبة، إزاء المرحلة الصعبة التي يمر منها لقاء الرجاء والوداد، والغريب في الأمر أن الجامعة الوصية على كرة القدم، وقفت في صف الصمت مكتوفة الأيدي، رغم أن موقعها يفرض عليها التحرك ليل نهار، من أجل إيجاد الحلول الناجعة والسبل الواقعية لتحريك عجلة الإحتراف، والدفع بها نحو الأمام قصد تحقيق المبتغى، الذي يصبو إليه الجميع، لأن الدور الأساسي المنوط بالجهاز الكروي، هو القضاء على كل المنغصات التي تعرقل مسار التنمية الرياضية في المغرب.

 

 

في الحقيقة أن هناك فكرة أساسية، مفادها أن الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، أخطأت منذ البداية حين فتحت المجال لنقل مباراة الديربي بين فريقي الرجاء والوداد خارج مدينة الدار البيضاء، بل وتأجيلها في أحايين كثيرة، شأنها في ذلك شأن العصبة الوطنية لكرة القدم الإحترافية، لأن قرار المس بتوقيت ومكان إجراء المباريات التي تحمل طابع الندية والتشويق كهذه، لا يكون إلا في حالة واحدة ألا وهي وجود القوة القاهرة، كالأحوال الجوية القاسية، والظروف الطارئة، وكذا غياب الضمانات اللازمة من طرف الأجهزة الأمنية، لتأمين كل الجوانب المحيطة بالمباراة.

اترك هنا تعليقك على الموضوع

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
إغلاق