استحقاقات 8 شتنبر … درس في الفرق بين التراجع والسقوط

سياسة كتب في 14 سبتمبر، 2021 - 14:36
استحقاقات

 

عبّر ـ الرباط 

 

استحقاقات 8 شتنبر … درس في الفرق بين التراجع والسقوط

استحقاقات 8 شتنبر … درس في الفرق بين التراجع والسقوط، ولم تتح الفرصة الكافية للنظر إلى هذه الاستحقاقات من زاوية تكريس الخيار الديمقراطي وتعزيز مكتسباته على المستوى الوطني.

ففضلا عن تنظيم هذه الاستحقاقات في سياق معلوم، بما يعنيه ذلك من تجديد لإرادة الدولة بخصوص التقيد بدورية تنظيم الاستحقاقات الانتخابية باعتباره من بين أهم مؤشرات الممارسة الديمقراطية، والسرعة التي تم بها الإعلان عن نتائج هذه الاستحقاقات، الذي يعد بدوره معيارا لنزاهة العمليات الانتخابية، مع استحضار صعوبات فرز الأصوات بحكم تنظيم استحقاقات تشريعية وجماعية في يوم واحد. شكلت المشاركة الواسعة في هذه الاستحقاقات في ظل سياق وطني ودولي موسوم بضعف المشاركة السياسية واهتزاز الثقة في المؤسسات مؤشرا دالا على الانخراط المجتمعي لوضع الحد لتجربة مأساوية ولوقف نزيف حاد وتضميد جراح كلما طالت كلما نتنت وتعفنت.

يحدث أحيانا أن ترتفع نسبة المشاركة بشكل لافت لحماية الخيار الديمقراطي أو صيانة التعاقدات الكبرى بين الدولة والمجتمع، مما يعكس ارتفاع منسوب اليقظة الشعبية، وهذا ما حدث مثلا في استحقاقات عدد من الدول الأوروبية وخاصة فرنسا، حيث كانت المشاركة السياسية المكثفة آلية للقضاء على نزعة الهيمنة لأحزاب اليمين المتطرف أو على الأقل لإعادتها إلى حجمها الطبيعي.

 

كمياء هذه الاستحقاقات الانتخابية متفرد ومركب، يعجز أصحاب البعد الواحد عن إدراكه. فتراجع بل تهاوي حزب العدالة والتنمية ليس ناتجا عن فعل عرضي، ليس حادثة سير في منتصف الطريق، بل هو نتيجة طبيعية لمسار من الإخفاق وإفلاس الرؤية وتآكل سريع للزاد الأخلاقي بسبب أفعال أتتها أياد رجال ونساء الحزب والحركة.

إذا أردنا أن نضع عنوانا لهذه الاستحقاقات فلن نجد بديلا عن وصفها باستحقاقات الإرادة الحرة، فقد كانت هذه الإرادة إلى عهد قريب أسيرة نموذج صَوَّر التعبيرات السياسية الإسلامية، والإخوانية بشكل خاص، كبدل أُرِيد له يكون جزءا من منظومة الحكم بعد التحولات السياسية والدستورية التي همت المنطقة العربية والمغاربية سنة 2011. وأكيد أن تراجع مستوى الافتتان بهذه الوصفة أفضت إلى تراجع تأثير هذا المتغير الخارجي، مما مكن الكتلة الناخبة من استرداد كامل سلطانها وقدرتها على الاختيار ووضع التمايزات بين الأطراف الحزبية المتنافسة فقط باستحضار قضايا الوطن كأساس للتفاضل والاصطفاء.

تجد نتائج الاستحقاقات الأخيرة مردها في تخليص الإرادات من تأثير الحملة الدعائية التي جعلت قوى الإسلام السياسي موضوعا لها ترغيبا وترهيبا. فقد تمكنت هذه الحملة الدولية المكثفة من أسر بعض من إرادة الكتلة الناخبة، حيث حشدت لهم الدعم باستغلال هوس التغيير الذي سكن المجتمع خلال موجة التحولات السياسية لسنة 2011، من خلال تجريب قوى سياسية لم يسبق لها أن تحملت مسؤولية التدبير العمومي، وكانت القوى الإسلامية ربما التعبيرات السياسية الأكثر تنظيما وجاهزية والأقل إرهاقا، بل هي القوى الوحيدة التي تحوز سجلا فارغا من قائمة التزامات ووعود لم تنفذ.

إلى جانب تبدد وتلاشي هذا المتغير الخارجي، لم تؤطر العدالة والتنمية عرضها السياسي في الاستحقاقات الانتخابية منذ سنة 2011 بشعار أصيل، فقد صادرت شعارات حركة 20 فبراير في البدء، ثم أسست خططها التواصلية سنة 2016 على ترصد زلات الخصوم ودفعهم للوقوع في المحظور (السلوك السياسي لإلياس العماري وحميد شباط أساسا)، هذا الأمر لم يتأت للعدالة والتنمية في استحقاقات 2021، حيث حرص كل من عزيز أخنوش وعبد اللطيف وهبي ونزار البركة على تأطير السجال الانتخابي في حدود البرامج دون تسجيل أي انزياح للخطاب نحو معارك خاطئة وزائفة (إسلامي/علماني) كما كان عليه الحال سنة 2016 حيث تصدر النقاش الإيديولوجي كل واجهات السباق التشريعي.

لم تفاجئني نتائج استحقاقات 8 شتنبر بالقدر الذي فاجئني به بلاغ الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية يوم 09 شتنبر 2021، الذي وصف النتائج بغير المفهومة وألقى باللائمة على جهات لم يسميها، ولكنه لم يمتلك الجرأة ولو في حدودها الدنيا للإقرار بالهزيمة، وربط النتائج بأسبابها الحقيقية.

أول هذه الحقائق التي أرادت قيادات العدالة والتنمية إنكارها، هو التوظيف المسرف للقوة التأثيرية لنظافة اليد لاستمالة الناخبين كرهانا غير محسوب في خطاب العدالة والتنمية. فعلى أهمية ورمزية اليد النظيفة إلا أنها للأسف ليست مرادفا للاستحقاق. نظافة اليد عبارة جوفاء إذا لم تكن مقرونة بالكفاءة، نظافة اليد شهادة زور إذا لم تتجسد في محاربة الفساد، وهي شعار فارغ وبلا مضمون إذا لم تخلق الثروة ومناصب الشغل وإذا لم ترفع من نسب النمو وتحسن مؤشرات التنمية الاجتماعية …

وعلى صعيد آخر، كانت الثقة الكبيرة لحزب العدالة والتنمية في توفره على قاعدة ثابتة تناصر الحزب ظالما كان أو مظلوما، حصان طروادة لتصدر الاستحقاقات أو في أسوء الحالات التراجع بشرف وليس السقوط إلى حد التماس مع الكيانات الحزبية غير المسماة في بلاغ وزارة الداخلية. هذه الاستحقاقات سفهت بعد الطروحات والتي انجرت إليها بخفة كبيرة بعض الأوساط الأكاديمية بعقد نوع من التوازن بين الكتلة الثابتة التي تسمى أحيانا بالكتلة العقائدية وتلك التي تتخذ شكل رمال متحركة غير مستقرة تارة تعطي الامتياز لهذا الطرف وتارة أخرى لذاك. كشفت هذه الاستحقاقات أنه ليس تمت تأثير كبير أو على الأقل تأثير محسوب للتصويت العقائدي، وأن الرهان معقود دائما على الكتلة الناخبة التي تمنح صوتها على أساس قوة العرض السياسي والانتخابي للقوى المتنافسة، خاصة في لحظات ارتفاع نسبة المشاركة الانتخابية.

هذا الاغترار بوجود خزان انتخابي لا ينضب جعل ربما العدالة والتنمية غير ملتفتة كفاية إلى استحضار عددا من المتغيرات التي عرفتها هذه الاستحقاقات، وأساسا الحاجة إلى صياغة قنوات ورسائل خاصة للتواصل مع الوافدين الجدد على الكتلة الناخبة، وهي فئة عادة ترتفع في صفوفها نسبة المشاركة في الاستحقاقات. أضف إلى ذلك أفول تأثير الكتائب الإلكترونية للعدالة والتنمية لسببين، وهما، ضعف ووضاعة زاد الأداء بالنسبة للقطاعات التي أشرف على تدبيرها الحزب. وثانيا وهي الأهم، سقوط هذه الكتائب في انتظارية قاتلة في القاع لتلقف زلات وهفوات وأخطاء الخصوم.

تهافت أطروحة الكتلة الثابتة، أحدثت رجة موازية في عقيدة أخرى، وتتعلق بذلك التمييز التقليدي بين الأحزاب الكبيرة والأحزاب الصغيرة، وكأن حجم وقوة كل حزب قدر لا فكاك منه. فهذه الاستحقاقات بينت أن هناك خيط رفيع بين الحزب الكبير والصغير، والقوة الانتخابية لبعض الأحزاب السياسية مجرد فرضية وتَمثُّل نظري وليس حالة أنطولوجية. فاقتراع يوم واحد كاف بأي ينسف قوة حزب من أكبر فريق برلماني إلى وضعية بالكاد سيشكل فيها مجموعة نيابية، أغلب أعضائها أفرزتهم لوائح غير محلية.

إن المزاوجة القسرية في خطاب العدالة والتنمية وفي سلوكها بين المسؤولية الحكومية وتقمص دور المعارضة، تجاوز حدود استغفال المجتمع إلى تحقير ذكاءه. ولا يعكس في عمقه إلا تبريرا للعجز وبحثا عن مسوغات ممكنة ومحالة للإلقاء بالمسؤولية على عاتق جهات دائما مجهولة. لهذا شكلت استحقاقات 8 شتنبر فرصة لإفساد هذا الدور التنكري الذي طال أمده 10 سنوات، ليس فقط بإنزال العدالة والتنمية من البوابة الخلفية لمركبة الحكومة بل لم تمكنه الإرادة الناخبة حتى من فريق مكتمل لممارسة جلبته المعهودة داخل البرلمان. فكما قال إبراهام لينكولن “يمكن أن تخدع كل الناس بعض الوقت، وبعض الناس كل الوقت، لكنك لن تستطيع خداع كل الناس كل الوقت”.

صحيح أن التصويت ضد العدالة والتنمية كان إنزالا للعقاب، ولكنه ليس تصويتا انتقاميا أو انفعاليا، بل أراه تصويت وقفت خلفه إرادة واعية، حيث وجهته لصالح تعبيرات حزبية قدمت عرضا انتخابيا تجاوز الوعود إلى برامج قابلة للمساءلة. مما يعني أن توصيف النتائج بكونها مجرد تصويت عقابي لا شك أنها تبسيط واختزال لما جرى.

ويبقى الرهان في الأخير على قدرة الأحزاب التي بوأتها الإرادة الناخبة المراتب الأولى على وضع الحد لممارسات مسيئة، وعادات أتمنى ألا تصير عرفا قارا، وتتعلق بتدبير العدالة والتنمية لمشاورات تشكيل الحكومة من زاوية أن منتهى الاستحقاقات هو منح التفويض الشعبي للحزب ليتكفل هو بالباقي. وبذلك لم تكن تعكس الائتلافات الحكومية السابقة نتائج الاستحقاقات الانتخابية، وكأن الإرادة الناخبة تتوقف عند عتبة الإعلان عن النتائج، ولا علاقة لها بتشكيل الحكومة.

هذا إلى جانب النظر إلى إرادة أغلبية الكتلة الناخبة على انها ليست تفويضا كاملا لصالح لأحزاب التي تصدرت الانتخابات أو اعتبارها شيكا على بياض وإنما الاستجابة لها ببناء تعاقد مكانه الطبيعي هو البرنامج الحكومي الذي لا يجب أن يبتعد عن العروض الانتخابية للأحزاب التي ستشكل الحكومة مستقبلا، وذلك لتصحيح المسار وترجمة التوجهات الكبرى للنموذج التنموي الجديد ولاستدراك الفرص المهدورة التي فرطت فيها العدالة والتنمية لولايتين كاملتين.

اترك هنا تعليقك على الموضوع