القصاص وقضاء الشارع بين “السيبة” والإنصاف

كبيرة بنجبور ـ عبّــر

تتعالى الأصوات المنددة بسلوكات شاذة في المجتمع، فبين السرقة النصب والاحتيال، وبين التحرش والاغتصاب، وبين الجهر بالمثلية والإفطار العلني خلال رمضان، وبين التجارة في المخدرات وجرائم القتل ضد الأصول، بين كل هذا وذاك يصطف المجتمع المغربي في مصف الرافض المندد ويفتح أصواته جاهر بالاستنكار، تنظم مسيرات ووقفات وتوقع عرائض تحت عنوان لا لـ…..صرخات هي إعلامية وحقوقية وأمنية ومحلية وطنية وأيضا دولية، تتعالى بعد صرخة طفل انتهك عرضه، بعد استنجاد شابة انتشلت حقيبتها، بعد تهديد بسلاح أبيض، بعد استفزاز شخص أعلن ميوله الجنسي وأجهر به في مقام لا يتوازى والمقال.

لعل المتتبع للمشهد الإعلامي اليوم لا يزال يذكر نشال البيضاء الذي فقئت عينه، وشواذ بني ملال الذين انهال عليهم المواطنين بالضرب والشتم والتنكيل، على منوال شاذ فاس الذي خرج مشهرا شذوذه الجنسي، وفتيات أكادير اللائي خرجن بتنورات قصيرات في شهر رمضان، وما حدث في سلا عندما استنكر المواطنين وجود قطة مخيطة الفم وأجهزوا على بيت المشعودة المتهمة بذلك وخربوا واجهة المنزل محاولين كسر الباب، اختلفت الأمكنة والوقائع والأحداث وتوحدت النتيجة في استنكار غير مشرعن قانونيا، منتصِر لأعراف تقليدية، تكبح وترفض المساس بالهوية، وتتخذ كمناسبة للثأر وللمشاركة في أعمال يذوب فيها الفرد في الجماعة، ويتوحد فيها المواطنين في ما بات يعرف بـ”قضاء الشارع”.

قضاء الشارع بين الانتصار والشجب

صرحت غزلان الشابة العشرينية عن موقفها من تدخل المواطنين في قضايا شغلت الرأي العام مؤخرا  لـ “عبّــر.كوم” قائلة: في ظل انتشار الجريمة، أصبح الناس ينفذون القانون بأيدهم، خاصة إذا تعرضوا لمواقف تثير استفزازهم، فمثلا قضية شواذ بني ملال تعرضوا للتعنيف من طرف الشباب لأن المجتمع المغربي لا يعترف بهم زيادة عن أنهم بسلوكاتهم أثاروا غضب الشباب الذين تحينوا الفرصة للثأر منهم لأنهم كانوا يدرون أن الأمن سيتعامل معهم بطريقة غير تلك التي يتعامل بها الشباب الذين يحسون أن مثل تلك السلوكات تمس بهويتهم”.

وأضافت ذات المتحدثة: “بالنسبة لشوافة سلا، فطبعا وخوفا من إقدام المشعوذة على عمل سحر لهم لم يجد الشباب إلا تلك الطريقة لفضحها، خاصة بعد تعنيفها لحيوان أبكم وندري أن الشباب ينبذون مثل هذه التصرفات، لذا القطة كانت تلك الشرارة التي اندلعت، وأتت على الشوافة التي أصلا كان يجب أن تنال عقابها نظرا لما تقوم به من أفعال تُغضب الله و تؤدي الناس”.

واستنكر إلياس الشاب التازي إقدام المواطنين على أخذ حقهم بأيديهم قائلا: “انتشرت هذه الظاهرة في المغرب بشكل كبير، فكل فرد بات يرغب في إقامة الشرع وتطبيق القانون بنفسه، ويحاول أن يقتص من الجاني، وهذا خطأ كبير يرتكبه المواطن، لأننا كيفما كان الحال نتواجد في بلد به قانون نحتكم إليه، وليس من المنطقي العمل بقانون الغاب، والأمر بات دعوة ملحة لتدخل الدولة، حتى لا تتكرر مثل هذه الممارسات”.

وتوقفت فدوى عند اصطلاح قضاء الشارع، الذي اعتبرته يحمل في ثناياه اعترافا ضمنيا بسلطة الشارع على الناس بل وتصل إلى السلطة القضائية، فإذا كانت الدول تسعى جاهدة لفصل السلط بين مؤسساتها النظامية نجد هكذا تهور في مد ناس بسلطة تقريرية و تنفيذية، مضيفة ذات المتحدثة لـ “عبّــر.كوم”: ” إن الإسم المناسب لهذه الأحداث هو فوضى الشارع هو قانون الغاب هو اللانظام وبالتالي لا وجود للدولة، لا وجود لقانون المنظم للاختلاف.

القانون كلمة الفصل

واعتبرت الفتاة العشرينية الحل في : “القانون هو الكلمة الفيصل بين المختلفين الذي يجب أن يعي الناس أن وجودهم أزلي فالاختلاف سنة الحياة، والتعايش بين الناس يضمن اعترافهم بالمختلفين معهم، ومن ثمة الاحتكام على منهج سليم و مضبوط يحرص على احترام الخصوصيات في ظل قانون إنساني عادل”.

ووضحت أسماء من تمارة الموضوع قائلة: ” في دولة يقام فيها العدل يجب ان يتم التبليغ عن الحالة ويأخذ المذنب عقوبته الزجرية، حتى يكون عبرة لمن يحاول خرق القانون وقبر العرف.. لكن إذا ما تم تحريك المال أو الشطط في استعمال السلط وتحول المجتمعت إلى غابة نتوقع أن يقابله ذلك القانون الذي يلائم الغاب ويأخذ المتضرر حقه بيده”.

وقارب الأخصائي النفساني، وأستاذ علم النفس وعلم النفس الإكلينيكي الدكتور عبد الإله الهلالي في تصريح له لـ “عبّــر.كوم” الموضوع قائلا: “لاحظنا مؤخرا إقدام المواطنين على الاحتجاج وأخذ حقهم بأيديهم، وهذا أمر تشهده بلدان عدة وليس المغرب في معزل عنه، فالناس في العالم تحتج على كل ما يمس ما هو التقليدي والمعترف به بالبلد وترفض التطبع مع ما هو جديد، ولا تسطتيع التكيف معه، ويبقى القانون هو الحل الحاسم وتدخله في الوقت المناسب وبشكل مريح، لثني تلك الممارسات عن التطور والاستمرار، فالقانون يرفض ويحرم نصيا أكثر من فِعليا، وكل مرة يشاهد المواطن هذه السلوكات المستفزة يعمد للتدخل.

وبالعودة لأحداث الشوافة بسلا، أشار الهلالي إلى أن الشعودة موجودة منذ القدم بل أكثر من ذلك نجد أحيانا الترويج غير مباشر لها وبشكل رسمي، وهو ما يزيد من تفاقم واكتساح الظاهرة وكل الأشكال المتعلقة بها، وقس على ذلك اجتياح مجموعة من المهن.

الفرد لا يخاف من المثليين بل يخاف من تطبع أبنائه بسلوكاتهم الشاذة

وعن ردة فعل الأفراد من المثلية الجنسية أكد  أستاذ علم النفس الإكلينيكي أن: “الفرد لا يخاف من وجود المثليين بقدر ما أن تخوفه من تأثير المثليين على وسطه وعلى أبنائه، ومن محاولة تطبع أبنائه بسلوكاتهم الشاذة، فلم يعد الأمر فرديا بل أصبح تهديدا جماعي، يقف امامه القانون صامتا، ولغة التحذير تكون هي ردة فعل الأفراد”، وأشار الهلالي إلى أن: “صحيح أن الناس لا يفهمون طريقة التدخل لكنهم لا يستوعبون تجاهل القانون لمسالة تخص ثقافتهم قيمهم و يبقى تدخلهم إلى حد ما مشروع”، مضيفا ذات المتحدث بالنسبة لما هو نفسي فإن الشخص يشعر بنفسه أنه مهدد في شخصه وفي معتقده وأصبحت الظاهرة تؤرق كل أسرة وتخترق ثوابثها.

المثلية الجنسية ومطلب الاعتراف كجنس ثالث

واعتبر الهلالي ظاهرة المثلية: “ظاهرة شائكة شيء ما إذ يُمكن تقبل وجود المثلية في المجتمع لكن الجهر بها، وخروج المثليين في تجمعات والترويج لهم والتطبيع معهم أصبح يحرج مجموعة من المثقفين الذين يعتبرون أن هنالك جهات معنية وراء نشر هذه الظاهرة ومحاولة الدفع بها نحو الرسمية والاعتراف بتنظيم يكتسح الآخرين ويشرعن وجوده كجنس ثالث”.

وذكر ذات المتحدث بوجود المثليين في المجتمع منذ القديم فلم نسمع عن مطالب لاجتثاثهم أو القضاء عليهم اللهم خلال القرن العشرين عندما تم وصمهم، وغير ذلك فلم نرى تحركات ضدهم، لكن في الوقت الذي باتوا فيه يعلنون عن أنفسهم ويجهرون بتواجدهم عبر تنظيمات بتنا نلاحظ هذه التدخلات لثنيهم عن الإجهار، وتعرف المثلية الجنسية في مذهب علم النفس المرضي الإكلينيكي بأنها انحراف واضطراب في الشهوة الجنسية ويمكن معالجته، غير أن هذه الفئة ترفض ذلك وتصر على تواجدها كجنس ثالث.

القصاص بين الأمس واليوم

أعربت فاطنة المراة المشرفة على السبعينات عن الوقار الذي كان يسود زمنهم وعن تختل اللص وتعثره بين قدميه إن ضبط، بنبرة حنين للماضي تحكي لـ “عبّــر.كوم”: ” غالبا ما كانت الأسواق الأسبوعية تشهد حالات السرقة المتكررة واندساس اللصوص ومن يمتهنوا خفة اليد للظفر بعيش لم يدفعوا ثمنه بعرق الجبين، وكان السارق يحسب ألف حساب قبل أن يقدم على فعله الشنيع، فهالة المجتمع آنذاك كانت لها وقع أكثر من السلطة والمخزن، فما إن يضبط لص وتسمع عبارة “شفار” إلا ويتجند الرجال بعصيهم وبما أوتوا من قوة وينهالوا عليه بالضرب المبرح، وكان يغنيهم هذا عن تقديمه للسلطة”.

القصاص من اللصوص في الأسواق الأسبوعية ظلت مستمرة، وأعيدت وقائعه للواجهة مع نشال البيضاء الذي سرق حقيبة فتاة وانتهى به الأمر إلى فقئ عينه، بعد محاصرته من قبل المواطنين، لعلها نسخة جديدة لردات فعل سابقة، والتي تلتها حالات مشابهة في أسواق بمدن أخرى وصلت لحد القتل، خاصة بعد انتشار الشريط المصور وتحقيقه لنسبة عالية من المشاهدة، ليتخذ من ذلك المواطن مناسبة للتوثيق والنشر ويساهم بالوجهيين الردع، والانتشار في آن واحد.

وعما كان يحدث بالأسواق الشعبية وعن القصاص من اللصوص عند ضبطهم وضح الهلالي بأن الأمر لا يعود إلى فترة زمنية بعيدة وأن الظاهرة ارتبطت بالثلاثينبات خاصة في المرحلة الكلونيالية حيث فقد المواطن المغربي الثقة في المخزن واستنكر أن يأخذ حقه الاستعمار الفرنسي، أما قبل ذلك فكان الاحتكام إلى القانون أو ما كان يعرف بدار القاضي.

وختم الهلالي كلمته مشيرا بأن السيكولوجيا لا تعطي مشروعية لتدخل الأفراد وأخذ حقهم وتغييب السلطة، وما يجب العمل به في هذه النقطة أمرين على المجتمع المدني تنصيب نفسه وألا يترك للأفراد حرية التدخل، وعليه تقنين ذلك بشكل يتماشى والقوانين المعمول بها في البلد، وعلى الجمعيات هي الأخرى التدخل والتنظيم.

مأثورة ما ضاع حق وراءه طالب

قضاء الشارع أو أخذ الحق باليد، مصطلحات وأخرى ينتجها المجتمع للتعبير عن  وضعية يمر بها وعن نقلة تشخيصية تعكس واقعا وتترجم صورا من فعل يتخذ طريقه للشرعية بمنطق التقاليد والأعراف، ويقابله في الجهة المقابلة رفض شرعي ينتصر للقانون الوضعي ويستنكر العودة بالبلد لسنوات السيبة، هي ضرورة اجتماعية، هي صرخة جماعية، هي محاولة لجس نبض التدخلات الاستباقية الأمنية، هي في نهاية المطاف دعوة لنصرة الحق الذي طالما شذبت آذاننا بعبارة ما ضاع حق وراءه طالب.

Loading...

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.